
تتجه أنظار العالم إلى الفضاء الرقمي، بوصفه أحد أكثر المجالات تأثيرًا في حياة الأفراد والدول معًا، وقد أنهت الأمم المتحدة جدلًا طويلًا بشأن الجهة التي تتولى إدارة هذا المجال بعدما توصلت الجمعية العامة إلى توافق دولي، يؤكد رفض فكرة السيطرة المنفردة، واعتماد نموذج تشاركي يضم أطرافًا متعددة ضمن رؤية تؤكد أن الفضاء الرقمي يجب أن يبقى مفتوحًا ويخدم الإنسان والتنمية.
الوثيقة الصادرة عن الجمعية العامة عكست تحولا واضحا في التفكير الدولي، إذ شددت على أن إدارة الفضاء الرقمي لا يمكن أن تُحصر في يد دولة واحدة أو جهة بعينها، بل يجب أن تقوم على توازن يضمن الشفافية والانفتاح ويحد من الرقابة المفرطة ويمنع استغلال هذا المجال الحيوي لأغراض الهيمنة أو الإقصاء.
هذا التوافق الدولي لم يأت بمعزل عن سياق عالمي يشهد تصاعدًا في المخاوف المرتبطة بالتحكم في تدفق المعلومات وحماية الحقوق الرقمية، حيث بات الفضاء الرقمي ساحة مركزية للصراع الناعم والتأثير السياسي والاقتصادي والثقافي على حد سواء.
الحوكمة التشاركية كخيار دولي جامع
اعتمدت الأمم المتحدة نموذج الحوكمة متعددة الأطراف، باعتباره الإطار الأنسب لإدارة الفضاء الرقمي، إذ يقوم هذا النموذج على إشراك الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات الدولية والمجتمعات التقنية والأكاديمية ضمن عملية جماعية تضمن توزيع الأدوار والمسؤوليات بشكل متوازن.
ويستند هذا التوجه إلى الرؤية التي أقرتها القمة العالمية لمجتمع المعلومات عام 2003، والتي دعت إلى بناء مجتمع معلوماتي يتمحور حول الإنسان ويعزز التنمية والشمول، حيث أكدت الأمم المتحدة التزامها بتمكين الجميع من إنشاء المعرفة والوصول إليها وتبادلها دون قيود غير مبررة.
الوثيقة الأممية أوضحت أن هذا النموذج يهدف إلى حماية الطابع العالمي للفضاء الرقمي، ومنع تحوله إلى أداة ضغط أو إقصاء، كما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التحديات الرقمية لا يمكن معالجتها من خلال قرارات أحادية بل عبر تعاون دولي واسع النطاق. ورغم هذا التقدم أقرّت الأمم المتحدة بوجود فجوات كبيرة لا تزال تواجهها دول نامية عديدة سواء من حيث الوصول إلى الفضاء الرقمي أو من حيث المشاركة الفعلية في عمليات الحوكمة، وهو ما يستدعي دعمًا دوليًا مستمرًا يقوم على الشراكات والتمويل وتبادل الخبرات.
تحديات رقمية وحقوق تحت الاختبار
لم تُخفِ الوثيقة الأممية قلقها من مجموعة واسعة من الإشكالات المرتبطة بالفضاء الرقمي، والتي تمس بشكل مباشر حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، إذ أشارت إلى ارتفاع كلفة الوصول كأحد أبرز العوائق التي تحول دون تحقيق الشمول الرقمي المنشود. كما سلطت الضوء على استمرار الفجوة الرقمية بين الجنسين، وما يترتب عنها من تهميش غير مباشر للنساء في مجالات التعليم والعمل والمشاركة العامة، إضافة إلى معاناة فئات أخرى مثل كبار السن والشعوب الأصلية والمهاجرين من ضعف الوصول أو غياب التمثيل.
وتطرقت الوثيقة أيضًا، إلى انتهاكات الحقوق الرقمية التي تتجلى في المراقبة غير المشروعة، وسوء استخدام التقنيات الحديثة في الجرائم الرقمية واستغلال الأطفال، فضلًا عن الانتشار الواسع للمعلومات المضللة وتأثيراتها السلبية على المجتمعات والديمقراطيات. كما أبدت الأمم المتحدة اهتمامًا متزايدًا بالآثار البيئية للتحول الرقمي، مشيرة إلى أن التوسع في البنى التحتية الرقمية يجب أن يراعي الاستدامة البيئية وألا يتحول إلى عبء إضافي على الموارد الطبيعية.
الذكاء الاصطناعي ومنتدى الحوكمة الدائم
خصصت الوثيقة فصلا كاملا لموضوع الذكاء الاصطناعي، بوصفه أحد أبرز التحولات التقنية في العصر الحديث، حيث أقرت بإمكاناته الكبيرة في خدمة البشرية مقابل تحذير واضح من مخاطر غير معروفة ناتجة عن سرعة تطوره واتساع نطاق استخدامه ومستوى استقلاليته.
ودعت الأمم المتحدة إلى اعتماد مقاربة إنسانية، تقوم على توسيع برامج التعليم والتدريب الرقمي ودعم النماذج المفتوحة وإتاحة بيانات التدريب وتوسيع الوصول إلى البنى التحتية الحاسوبية المتقدمة، بما يضمن عدالة الاستفادة وعدم احتكار القدرات التقنية.
وفي خطوة مؤسسية لافتة، أعلنت الأمم المتحدة تحويل منتدى حوكمة الفضاء الرقمي إلى هيئة دائمة تابعة لها، بعدما كان يُنظم سابقًا كحدث سنوي، في إشارة إلى الرغبة في إضفاء طابع الاستمرارية والمتابعة على هذا المسار العالمي. ومن المقرر إجراء مراجعة شاملة جديدة عام 2035، حيث دعت الأمم المتحدة جميع الأطراف المعنية إلى الانخراط في مختلف مراحل العملية بهدف تحديد الأولويات المستقبلية وضمان بقاء الفضاء الرقمي مساحة آمنة ومفتوحة وشاملة تخدم الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
بن عبد الله ياقوت زهرة القدس



