
في سياقٍ ثقافي، يشهد تحوّلات عميقة بفعل التطور التكنولوجي المتسارع، نجح قسم الفنون بجامعة “أبوبكر بلقايد” بتلمسان، بالشراكة مع مخبر الفنون والدراسات الثقافية، وبالتعاون مع كلية الآداب واللغات، في تنظيم الملتقى الوطني الثاني حول “المنمنمات في الموروث التشكيلي الجزائري: قراءة في الجماليات والرموز”.
هذا الحدث الفني العلمي، استقطب اهتماما واسعا من أساتذة وباحثين يمثلون 13 جامعة جزائرية، في تأكيد جديد على الأهمية المتزايدة التي يكتسيها التراث البصري الجزائري في ظل ثورة الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وأوضح رئيس الملتقى، الدكتور “بن تومي علي”، أن تنظيم هذا الحدث يأتي تجسيداً لرؤية جامعة “أبي بكر بلقايد”، الهادفة إلى ترسيخ البحث العلمي في مجالات الفنون التشكيلية والتراث الثقافي، وإعادة قراءة الموروث الجزائري وفق مناهج جمالية ونقدية معاصرة. وأضاف أن فن المنمنمات يُعد أحد أكثر الفنون قدرة على الجمع بين الروح والجمال، بما يحمله من رموز ودلالات تعكس علاقة الفنان الجزائري بالكون والمجتمع، وتُظهر عمق الحس الجمالي المتجذر في الذاكرة الجماعية.
كما مثل الملتقى فضاء أكاديميا للحوار وتبادل الرؤى، ساعيا إلى الإجابة عن سؤال محوري، كيف يمكن قراءة المنمنمات قراءة علمية حديثة تكشف جمالياتها ورمزيتها وتُبرز دورها في تجسيد الهوية الثقافية في زمن التحولات الجمالية المعاصرة؟
وقد ركّزت المداخلات بشكل خاص على أهمية إدماج الذكاء الاصطناعي في دراسة الفنون التراثية، سواء من خلال تحليل الأشكال والرموز، أو عبر توثيق الأعمال وحمايتها رقميا، أو حتى استلهام أساليب جديدة لإحياء هذا الفن العريق في المنصّات الرقمية العالمية.
وانصبت أهداف الملتقى على إبراز القيمة الجمالية للمنمنمات الجزائرية، والبحث في دلالاتها الفكرية والثقافية، وتشجيع الدراسات العلمية التي تربط التراث الفني بالمقاربات النقدية الحديثة، كما سعى الحدث إلى تعزيز الوعي بأهمية هذا الفن في صون الهوية البصرية الوطنية، وفتح المجال أمام تعاون أكبر بين الباحثين والفنانين لإعادة إحياء المنمنمات ضمن رؤى معاصرة تستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتناولت أشغال الملتقى 4 محاور رئيسية، شملت الجذور التاريخية والامتداد الحضاري للمنمنمات الجزائرية، والبنية الجمالية من حيث الخط واللون والتكوين والفضاء، وأيضا الرموز والدلالات الفكرية والثقافية، والمقاربات النقدية والجمالية الحديثة في دراسة هذا الفن.
كما توزعت الجلسات العلمية على 4 جلسات مكثّفة؛ تناولت الأولى المدارس الفنية والجذور التاريخية للمنمنمات، بينما ركّزت الثانية على السيميائيات والقراءات الفلسفية وخاصة “مدرسة محمد راسم”. وتطرّقت الجلسة الثالثة إلى التجليات السردية والفنون التطبيقية، في حين خُصِّصت الجلسة الرابعة لمناقشة الذكاء الاصطناعي، التقنيات الرقمية والبعد الدولي للمنمنمات، وهو المحور الذي استحوذ على اهتمام كبير بالنظر إلى دوره في إعادة تشكيل مستقبل الفنون التراثية.
واختُتم الملتقى بجملة من التوصيات الرامية إلى دمج التقنيات الحديثة في دراسة التراث البصري، وتعزيز حضور المنمنمات الجزائرية في المشهد الفني العالمي، مع التأكيد على ضرورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي كأداة لفهم وتطوير وحماية هذا الفن العريق.
ابراهيم سلامي



