
مع بداية هبوب نسمات خاصة إيذانا باقتراب شهر رمضان، شهر التوبة والغفران، تبدأ المرأة الجزائرية ترتيباتها الخاصة استعدادا لاستقباله في أحسن الظروف وأفضل الأجواء وأجملها، تحول بيتها إلى فضاء خاص طيلة 30 يوما، يصوم فيه أفراد الأسرة، بين روائح تعبق المطبخ ونكهات تزين الطاولة، وترتيبات غرف وصالات الطعام والجلوس تمنح الراحة لوافديها عند الإفطار ومساحات السهرة….
الجلسات النسائية تمهيد لورقة طريق التحضير…
بدخول الشهر الهجري “رجب”، تبدأ أولى محطات التغيير في نظام تسيير الأسرة من طرف ربة البيت الجزائرية، تمهيدا لاقتراب شهر المغفرة والثواب، شهر رمضان الكريم.
فتبدأ مجالس الحديث والتسامر النسوية تخرج عن المعتاد والكلام الروتيني، وتتجه نحو استشراف ظروف استقبال شهر الصيام، ومدى القدرة على توفير الطعام وملابس العيد للأطفال، فتنتشر الأخبار وتبدأ في التناقل في كل نقاط الالتقاء والتجمعات كالحافلات، سيارات الأجرة، أبواب المدارس، قاعات الانتظار، محلات التجميل، مكاتب العمل، تطبيقات الدردشة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والاجتماعات العائلية…
وهناك يبدأ الكشف عن آخر صيحات الموضة والأسعار المتوقعة لملابس العيد المستوردة أو المحلية، أطباق الطعام المستحدثة والوصفات الجديدة خاصة الاقتصادية مقادير ووقتا، الأفرشة الخاصة غرف الجلوس، الأواني الجديدة والتجهيزات المساعدة في الطبخ وأغطية الطاولات…
التنظيف وإعادة تهيئة البيت أولى الخطوات…
ولأن معظم إن لم تكن كل البيوت تعود فيها الكلمة الأخيرة للأم أو ربة البيت، فإن تحضيرات رمضان تنطلق مع دخول الشهر الهجري “شعبان”، عبر انطلاقها في تهيئة أفراد الأسرة لاستقبال رمضان، عبر عمليات تنظيف كبرى للبيت وإعادة دهن المواقع المتسخة أو التي تدهورت جدرانها، واستكمال الأعمال المنزلية المتوقفة كتهيئة المطبخ، الغرف، وتكون العملية استباقية حتى تضمن توفير الأقساط المالية اللازمة من طرف المعنيين من أفرادها….
فتنطلق عمليات التنظيف بغسل الأفرشة ثم الانتقال إلى مسح أو غسل الجدران، وتنظيف الحجرات تنظيفا دقيقا. وفي حال تعب ربة البيت أو عدم وجود من تساعدها، فإنها تلجأ لطلب المساعدة من قريباتها أو جاراتها أو صديقاتها أو الاستعانة بعاملات نظافة. وفي حالة الاستعانة بعاملات نظافة، فإن ربة البيت تتخلى عن سيطرتها وتركز على البعد الإنساني في العملية، فعوض أنها تحكم قبضتها على تكاليف الاستعانة بالمرأة، تقوم يجمع مالا تحتاجه من مستلزمات كالأفرشة، الملابس، الأواني، الأطعمة إضافة إلى زيادة راتبها من أجل مساعدتها على مواجهة صعوبات الحياة، بينما يبقى دهن البيت أمرا اختياريا للعائلات وإجباريا في حال المنظر غير مقبول حسب كل غرفة ودرجة استغلالها.
يذكر أن عمليات تنظيف البيت وتهيئته خلال شهر شعبان لا يعني أن العملية انتهت، وإنما تبقى عملية تغيير الأفرشة ومواضع الجلوس سواء للإفطار أو السهر في حالة تأهب إلى غاية دخول غرة رمضان، حتى يكون للتغيير تأثير وفعالية على أفراد الأسرة وضيوفها.
تغيير الأواني وشراء مستلزمات الطبخ سنن ثابتة…
رغم أن كل مطبخ لا يخلو من أدوات الطبخ والأواني اليومية للأكل، والمرأة معروفة بتوفيرها لهذه المستلزمات طيلة أيام السنة، إلا أن شهر رمضان عند المرأة الجزائرية خصوصا يتحول إلى سُنَّة مؤكدة لتغيير الأواني واستقباله بأخرى جديدة.
تتحول محلات الأفرشة وخاصة محلات بيع الأواني والأجهزة الكهرومنزلية إلى خلية نحل، يصعب إيجاد ممر فارغ فيها، أمام تكدس النساء وتسابقهن لشراء أواني آخر صيحة وبأسعار معقولة، وهو ما يساهم في زيادة انتعاش هذه السوق التي لا تعرف ركودا أبدا، بحكم أن غرام المرأة وبروتوكولها العلاجي غالبا ما يستدعي “جولة تسوقية”، تسمح لها بصرف مبلغ مالي، وإن كان رمزيا لتسترجع حيويتها ونشاطها وتحسن مزاجها، وهو الحل الذي يجده بعض الأزواج أفضل السبل لتجاوز الخلافات مع زوجاتهم.
حيث تبحث المرأة عن أوان جديدة تزين بها طاولة الأكل، في حين تركز الكثيرات على ضرورة التنسيق في الألوان والأشكال، مع البحث عن بعض الأطباق التي توحي بأن طاولة الأكل خاصة بالصائمين من خلال شكل طبق التمر، أغطية الطاولات التي أصبحت تحمل رمز الصيام كالهلال، التمر، الفوانيس، تدعم بعبارات “رمضان كريم” و”صوم مقبول”…، وضع فوانيس مضيئة على الطاولة، تعليق شعارات رمضانية، اختيار أواني تحمل شعارات وعبارات تخص الشهر الكريم…
التوابل، التشيشة، الديول التقليدي… أولى التخزينات…
على بعد أيام من دخول شهر التوبة والغفران، تشرع المرأة الجزائرية في تفعيل حاستي الشم والتذوق، لضمان نجاحها في اختيار التوابل الحقيقية، لأنها المؤهل الأساسي لنجاح طبق “الحريرة، الشربة، الفريك….” باعتباره الطبق الرئيسي على طاولة الإفطار.
حيث توجد عائلات جزائرية تختار التنقل إلى أسواق بعيدة ومشهورة بجودة توابلها للتسوق بها، على غرار مدينة “مغنية” الواقعة بالحدود الغربية الجزائرية، التي تملك سمعة ذهبية في نوعية التوابل بها إضافة إلى نوع من الخبز “المطلوع”. بينما توصي الكثير من النسوة معارفها بتوفير لها ما يكفيها طيلة شهر رمضان.
لكن الأمر لا يتوقف على التوابل فقط، إنما تخوض المرأة الجزائرية اختبارا مهما يكشف مدى سيطرتها على الطبخ، وتمكنها من أسراره لاسيما الأطباق التقليدية، على غرار الحريرة وهي عبارة عن حساء يحتوي في أغلب الأوقات على حبوب القمح مكسرة تعرف بـ “التشينة أو الدشيشة أو التشيتشة أو الفريك”، هذه الأخيرة هي الاختبار الحقيقي لتحكم المرأة في برنامج الطبخ خلال رمضان، لأنه الطبق الرئيسي ومدخل طاولة الطعام، الذي يركز عليه الصائمون لأنهم يؤهلهم لتناول باقي الأطباق أو يسد شهيتهم فيهوي بمزاجهم إلى القاع، ويكون في هذه الحالة سببا في غضب وتعنيف الرجل وحتى باقي أفراد العائلة لمن طبخت، وهو ما يفرض على القائمة بالطبخ التعامل بحذر مع مقادير التوابل ونوعها، وكذا كمية التشيشة ونوعيتها إضافة إلى الحشائش خاصة القصبر والنعناع اليابس الذي يعشق الكثير من الصائمين رائحته الفواحة وهو أخضر مبعثر، يزين وجه الحريرة الحمراء لونها.
ولأن طبق الحريرة يتناول في الغالب مع “البوراك”، المعروف في معظم مناطق الوطن ويسمى “البريك” بالمناطق الشرقية، فإن أغلب النسوة أضحت تختار رقائق العجين التي تصنع منها هذه الأكلة من عند النساء اللواتي تحضرنها بالمنزل، وذلك لذوقها جودتها عوض المصنعة أو التجارية التي تباع بالمحلات لأن معظمها لها ملمس بلاستيكي ولا طعم ولا ذوق لها.
كذلك، الكثير من العائلات أصبحت تفضل المشروبات والعصائر الطبيعية، عوضا عن تلك المقتناة من المتاجر، لاسيما وأن هذا الموسم شتوي وفاكهة البرتقال متوفرة بوفرة، رغم أن الكثير من الرجال يمسهم ما يعرف بـ “الوحم قبل الفطور”، فيشترون كل ما يشد نظرهم ويدغدغ شهيتهم ثم يصرفون عنه النظر بإفطارهم.
فرصة لمساعدة الغير وتقديم يد العون
وفي سياق استقبال رمضان، فإن المرأة الجزائرية تضاعف أعمالها الخيرية ببحثها عن العائلات المحتاجة لمساعدته. فتفعِّل شبكة علاقاتها ومعارفها للوصول إلى المحتاجين فعلا، قصد تمكينهم من تمضية شهر رمضان بشكل طبيعي، على غرار باقي الأسر الجزائرية، فتجمع كل ما هو فائض عندها من أفرشة، أغطية، أواني ومستلزمات غذائية وتوجهها نحو الأسر المحتاجة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى المساعدة المالية وغالبا توفير ملابس العيد للأطفال حتى تزيح مسؤوليتها من تفكير أوليائهم الذين قهرتهم ظروف الحياة. بينما هناك عائلات لها في تقديم قفة رمضان وألبسة العيد، فرض عين لا يمكن إسقاطه من بروتوكولات رمضان، فتتصل مع معارفها من أصحاب محلات ورجال أعمال ومحسنين، ليساهموا بما استطاعوا في توفير المستلزمات الغذائية الضرورية توزع على العائلات المحتاجة، بينما هناك عائلات توفر إفطارا يوميا لأولئك الأشخاص الذين أبعدتهم الظروف عن عائلاتهم سواء العمل في ورشات البناء أو غيرها أو يعيشون في الشارع بدون مأوى.
ويبقى رمضان أفضل الشهور وأرقاها، ففيه يتقرب العبد من ربه بالطاعات والعبادات، وتلتئم فيه جروح الأرحام بتجاوز الخصومات والعداوات، ويزداد التقارب بين الأسر والعائلات، وتتسع عمليات التعاون وتتعزز العلاقات.
ميمي قلان



