
حافظ مهرجان الأندلس على تراث موسيقي قيّم، وعلى مدى السنوات العشر الماضية، تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل، ونشره بين الناس، حيث تميزت هذه السنوات العشر بلقاءات وأصوات وتفاعلات ومعارف مشتركة، حيث اجتمع فنانون مخضرمون ومواهب شابة وجمهور غفير حول شغف مشترك: الموسيقى كإرث حيّ.
تستضيف مدينة مونبلييه، في الفترة من 1 إلى 11 أبريل، فعاليات الدورة العاشرة من مهرجان الأندلس، الذي أصبح حدثاً أوروبياً أساسياً من أجل الترويج للموسيقى العربية الأندلسية، ولعل ما يميز هذه الدورة عن الدورات السابقة كم جانب الاحتفال الفني، هو الدور المحوري الذي تلعبه الجزائر، كركن أساسي لهذا التراث الموسيقي.
الجزائر، حامية التراث الحي
تُعدّ الجزائر بلا مراء، مهدا للتقاليد الموسيقية العريقة، على غرار “الشعبي والحوزي والمالوف”، بل أصبحت مرجعًا أساسيًا في نقل الموسيقى العربية الأندلسية.
وفي مدينة مونبلييه، تجلّى هذا الثراء الثقافي بشكلٍ لافت وباهتمام أكبر، بحيث هيمنت الألحان الجزائرية وطغت الإقاعات الفنية على برنامج هذا المهرجان، مؤكدةً دور الجزائر المحوري في صون هذا الفن وتجديده.
ومن خلال فنانيها المتعددين ومدارسها الموسيقية المختلفة وتراثها الشفهي الغزير، تواصل الجزائر على عاتقها حمل إرثٍ يتجاوز الحدود بل كل الزمان والمكان، ليلامس قلوب أبناء الجالية الجزائرية في الخارج والجمهور العالمي على حدٍ سواء.

حضور قوي للفنانين الجزائريين
احتفت هذه الدورة العاشرة بالعديد من الشخصيات البارزة في المشهد الموسيقي الجزائري، حيث أبرزت بذلك دون مُنازع، تنوع وحيوية هذا التراث الأصيل. وعليه، فقد قدّم البرنامج، الذي ضمّ عروضًا من مختلف الأنماط الموسيقية، من أصوات نسائية مُلهمة إلى فنانين تقليديين، مرورًا بعروض معاصرة، نظرة شاملة على المشهد الموسيقي الجزائري المعاصر. حيث حضر جمهور مدينة مونبلييه، الذي كان معظمه من أبناء الجالية الجزائرية في الخارج، بكثافة، مما خلق جوًا من التواصل والترابط حول هذه الجذور المشتركة.
الجزائر في أبهى صورها.. في “جام – JAM “
كانت أمسية الأحد الماضي، (الخامس من أبريل) في (جام – JAM)، والتي تُعدّ من أبرز فعاليات المهرجان، تجسيدًا لعظمة الموسيقى الجزائرية، حيث تألق على خشبة المسرح، اسمان لامعان، المطرب القدير “عبد القادر شاعو”، أحد رواد موسيقى الشعبي الجزائرية، والمطربة ذات الصوت الرخيم “ليلى بورسالي”، سفيرة الأغنية الأندلسية.
وفي قاعة مكتظة، قدّم الفنانان المتألقان حفلاً موسيقيًا استثنائيًا، حيث مزجا فيه بين قوة الصوت، والتعبير الدقيق، والأصالة العميقة، ليشكلا معا كوكتيلا موسيقيا جزائريا بامتياز، حيث كانت كل مقطوعة أداها هذان المذطربان، بمثابة تحية لتاريخ الموسيقى الجزائرية، بين التراث الشعبي والتقاليد الكلاسيكية.
وبالتالي، فقد تأثر الجمهور الغفير بشكل كبير، بل وانبهر بالأداء الرائع، وصفّق لهما بحرارة طويلة، لأن هذا العرض كان في قمة التميز بل واستثنائيا وأيضا تاريخيا، لدرجة أن العديد من الحضور قام بوثيق هذه الأمسية بعدسات كاميراتهم حتى يتخطاها النسيان، مما يؤكد أهمية هذه اللحظة الفنية والثقافية الصادقة على حد سواء.
لم تكن هذه الأمسية فقط مجرد حفل موسيقي مثل السهرات الفنية الأخرى، بل كانت وقفة شامخة، واحتفالًا حقيقيًا بالجزائر، وثقافتها، وتأثيرها العالمي.

جسر ثقافي تقوده الجزائر
إنّ هذه الدورة العاشرة من مهرجان الأندلس التي تستضيفها مدينة مونبلييه، على الدور الفني والقافي الريادي للجزائر في نشر الموسيقى العربية الأندلسية في أوروبا. ناهيك تسليط الضوء على فنانيها وتقاليدها، مما يُسهم هذا المهرجان في تعزيز الروابط الثقافية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، ويُوفر منصة مرموقة لتراث غالباً ما يُغفل عنه الجمهور الغربي، وكذلك تُثري المؤتمرات والمعارض المُقامة على هامش المهرجان هذا التفاعل، مُبرزةً إسهام الجزائر التاريخي والثقافي في تطوير هذا التراث.
طبعة خاصة بالذكرى السنوية تحت راية الجزائر
وبمناسبة الإحتفال بالذكرى السنوية العاشرة لمهرجان الأندلس، احتفى المهرجان ليس فقط بالموسيقى، بل أيضاً بهوية ثقافية متجذرة في الجزائر، حيث ستُخلّد هذه الدورة في الذاكرة باعتبارها الدورة التي تصدّرت فيها الجزائر المشهد، مؤكدةً من جديد دورها كحامية وداعمة للتراث الموسيقي العالمي. وإذا كان لا بد من تخليد صورة واحدة، فهي صورة الخامس من أبريل في قاعة (جام – JAM) صوتان جزائريان عظيمان، وجمهور متّحد، وشعور جماعي تجاوز الحدود.
نسرين. ع



