في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تشهدها الإدارة العمومية في الجزائر، احتضنت وكالة المنيعة يوماً دراسياً ختامياً، ضمن الحملة التحسيسية الإعلامية الوطنية المشتركة، خُصص لتقييم واقع وآفاق الخدمات الرقمية للصندوق الوطني للتقاعد. الحدث، الذي جرى بجامعة التكوين المتواصل بالمنيعة، لم يكن مجرد مناسبة لعرض إنجازات تقنية، بل محطة تحليلية لتشريح مسار الرقمنة في أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطن.
وقد عرف اللقاء حضور إطارات قطاع التكوين المتواصل، إلى جانب أساتذة وطلبة، في دلالة واضحة على أهمية المقاربة التشاركية التي باتت ترافق مشاريع التحول الرقمي. وفي هذا السياق، ركزت الكلمات الافتتاحية على أن الانتقال إلى الإدارة الإلكترونية أصبح خياراً استراتيجياً لا رجعة فيه، خاصة في ظل تزايد الطلب على خدمات سريعة، شفافة، وقابلة للولوج عن بُعد.
العروض التقنية المقدمة خلال هذا اليوم، أبرزت جملة من المنصات الرقمية التي أطلقها الصندوق الوطني للتقاعد، والتي تمكّن المواطنين من متابعة ملفاتهم، الاطلاع على معاشاتهم، استخراج الوثائق الإدارية، وإثبات الحياة عن بُعد باستخدام تقنيات حديثة. هذه الخدمات، بحسب المتدخلين، ساهمت بشكل ملحوظ في تقليص التنقلات وتخفيف الضغط على الوكالات، ما يعكس تحسناً تدريجياً في جودة الخدمة العمومية.
غير أن هذا التقدم الرقمي، ورغم أهميته، لم يحجب التحديات المطروحة على أرض الواقع. فقد شكلت مسألة “الفجوة الرقمية” محوراً أساسياً في النقاش، حيث أشار المشاركون إلى صعوبات حقيقية تواجه بعض الفئات، خاصة كبار السن، في التعامل مع الوسائط الرقمية، فضلاً عن إشكالية ضعف التغطية بشبكة الإنترنت في بعض المناطق النائية. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى شمولية هذا التحول.
وفي هذا الإطار، شدد المتدخلون على ضرورة مرافقة الرقمنة ببرامج تكوين وتحسيس موجهة، تضمن تمكين جميع المواطنين من الاستفادة من هذه الخدمات دون استثناء. كما تمت الدعوة إلى الحفاظ على قنوات الخدمة التقليدية كخيار مكمّل خلال المرحلة الانتقالية، تفادياً لأي إقصاء محتمل. وخلصت أشغال اليوم الدراسي إلى جملة من التوصيات، أبرزها ضرورة تسريع وتيرة تطوير المنصات الرقمية، تحسين جودتها، وتعزيز ثقة المستخدمين فيها، إلى جانب الاستثمار في العنصر البشري باعتباره ركيزة أساسية لإنجاح أي تحول رقمي.
في المحصلة، يعكس هذا اللقاء توجهاً متزايداً نحو إعادة صياغة العلاقة بين الإدارة والمواطن، على أسس رقمية حديثة، تجعل من الخدمة العمومية أكثر مرونة وشفافية. غير أن نجاح هذا المسار يظل رهين القدرة على تحقيق توازن دقيق بين الابتكار التكنولوجي ومتطلبات العدالة الاجتماعية، بما يضمن استفادة الجميع من ثمار الرقمنة دون تمييز.
الهوصاوي لحسن



