لك سيدتي

“عائشة بلجيلالي”.. ابتكاراتها تُبصر المكفوفين وكلماتها تُبصر الغافلين

حازت على جائزة رئيس الجمهورية

ليست كغيرها من الشباب، مميزة في تفكيرها ومتفردة في رؤيتها للمستقبل، رغم أنها لم تكن يوما في التخصص العلمي، وقد نجحت في تخصصها الأدبي، إلا أنها لا تبحث عن مكسب شخصي، بل تسخر كل وقتها لغيرها، وبالتحديد في البحث عن حلول رقمية باستغلال التكنولوجيا لمشاكل فئة مهمة من البشر، وهم “المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة”.

بينما تروّح عن نفسها وتستغل أوقات راحتها في تدوين أشعار لا تخرج عن طرح واقع معاش، وحياكة قصص لأفلام تبرز مشاهدها معارك الحياة وتحبك خيوط مسرحيات، تعالج هموم المواطن على الركح، في حين تبتعد عن كل هذا بالتوجه إلى المطبخ لتبدع في تحضير أطباق تعشقها العين قبل المعدة.

تحصلت مؤخرا على جائزة رئيس الجمهورية بمناسبة عيد المرأة، نظير ابتكارها لحل رقمي لفائدة المكفوفين بخصوص سيرهم في الشارع، إضافة إلى نقلها عديد الجوائز الدولية كجائزتي قطر والبحرين تخص ابتكارات رقمية لفائدة ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى، إضافة إلى الجوائز الوطنية والدولية في مجال الإبداع الفكري كالشعر، السينما، المسرح وغيرها، إنها ابنة “تلمسان”، معلمة متخصصة رئيس بالمركز النفسي البيداغوجي للأطفال المعاقين حركيا “شتوان” بتلمسان، الشابة المبتكرة الرقمية والفنانة المبدعة الكاتبة “عائشة بلجيلالي”.

 

تستغل كل لقاءاتها مع الأشخاص في التعرف على اهتماماتهم وتخصصاتهم، لاستثمارها في تطوير رؤيتها وقدراتها الفكرية لتسهيل تجسيد رؤاها وتحويلها إلى حلول قابلة للتطبيق، كما تسهر جهدها، فكرها ومالها لتنفيذ تجاربها العلمية التي تبحث من خلالها على حلول لفئة تعاشرها يوميا منذ 2014 إلى اليوم، وهي فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، فهي لا تكتفي بمنحهم ما هو مبرمج ضمن المخطط الرسمي للتكفل بهم، بل تسعى وتجتهد لتوفير حلول تسهل عليهم حياتهم اليومية وتمنحهم فرصة الاندماج في المجتمع بكل سهولة.

 

تحدي المحيط المثبِّط…  من الأدب، المسرح والسينما… قفزة عجيبة نحو الابتكار التكنولوجي…

عانت المبدعة والمبتكرة “عائشة بلجيلالي”، من محيطها الذي طالما جعلها تقف مرات كثيرة تسأل نفسها، كيف لها أن تتحدى هذا الجو الخانق وتثبت وجودها. ليس هذا فقط، بل كيف تصنع اسما لها، يجعلها تنجح في تخطي كل ما يمكن أن يثنيها عن تحقيق أحلامها وتجسيد أفكارها، لاسيما وأن تخصصها الدراسي كان “أدبيا” ما يعني أنها نظريا محدودة الإنجازات التي لا تخرج عن الأدب والفنون.

بدأت “عائشة” تفكر في حياة تسمح لها باستغلال ما هو متاح لها من إمكانيات مادية، وبعض المعلومات الأساسية الخاصة بالحاسوب، فاستغلت التحاقها بجامعة تلمسان بعد نجاحها في اجتياز عتبة البكالوريا سنة 2003 “تخصص علوم شريعة”، لتنطلق في استغلال كل وقت فراغ للتوجه إلى المكتبة، وهناك بجناح قاعة الإنترنت، بدأت في استعمال الحاسوب والعمل على البحث وتعلم كيفية استغلال مختلف المعطيات، لأجل القيام بالبحوث المطلوبة منها وتلبية شغفها بمحاولات متكررة في إنجاز أمور علمية جديدة.

ورغم شغفها بعالم الحاسوب والإنترنت، إلا أنها اجتهدت وأثبتت جدارتها في التخصص الأدبي الذي سمح لها بنيل شهادات ليسانس سنة 2007، تخصص أدب عربي، ثم شهادة ليسانس ثانية سنة 2015، تخصص فنون عرض مسرحي، ولم تكتف بهاتين الشهادتين، بل دعمتهما بشهادة ماستر سنة 2017 تخصص مسرح مغاربي. رغم التحاقها بمنصب معلمة متخصصة رئيس بالمركز النفسي البيداغوجي للأطفال المعاقين حركيا “شتوان” بتلمسان، منذ سنة 2014، والذي مازالت تزاوله إلى اليوم.

إضافة إلى ﺷﻬﺎﺩﺍﺕ دولية، على غرار شهادة إعداد أخصائي تربية خاصة من مديرية التنمية الاجتماعية بالأردن، 4 شهادات تخص إخراج مسرح الصم البكم، مخرج سينمائي، إدارة إنتاج للإخراج مسرح الصم والبكم والإخراج السينمائي من شركة الرتاج الأردنية، شهادة تدريب من جامعة اليرموك بالأردن، شهادة تدريب كتابة السيناريو من البيت السوري للإبداع والثقافة، شهادة تدريب في التنشيط والتقديم من شركة “بي. بي. سي سكول”، شهادة التكوين في التكفل بالمعاقين ذهنيا وحركيا، شهادة تقدير من وزارة الشباب والرياضة المصرية بمؤتمر التطوع الشبابي، شهادة تدريب الإخراج من طرف وزارة الثقافة بالإمارات سنة 2020، شهادة تحكيم السيناريو بمهرجان أوسكار العرب بدولة مصر في 2023 وعديد الشهادات.

كل هذه الشهادات التي وقعتها باجتهادها ونالتها بجدارة واستحقاق، إلا أنها لم تنس يوما أن الحاسوب وتزوده بالإنترنت، يستحق استغلال الخدمات التي يوفرها من أجل تسهيل الحياة اليومية، لاسيما فئة ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى، وقد استطاعت تجاوز كل العراقيل وإثبات قدرتها في المجال.

 

ابتكارات رقمية تعيد الحياة لذوي الاحتياجات الخاصة تنتظر التجسيد بعد الجوائز الدولية التي حازتها

نجحت الشابة “عائشة بلجيلالي”، في إيجاد العديد من الحلول لمشاكل ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى عموما، عبر ابتكارات نوعية، ستكون مفتاح الحياة السهلة لهؤلاء في حال تجسيدها.

كانت آخر جائزة تحصلت عليها المبتكرة “عائشة”، جائزة رئيس الجمهورية بمناسبة عيد المرأة 2026، تكريما لها على تميزها بابتكار رقمي يسمح لذوي الاحتياجات الخاصة من السير بكل سهولة خارج البيت، منحها إياها الوزير الأول نيابة عن رئيس الجمهورية في حفل ضخم، ضم أهم النساءات الرائدات في مختلف المجالات، إضافة إلى نساء تركن بصمتهن في المناصب التي تقلدنها سابقا.

كما سبق ونالت المرتبة الثانية في مسابقة المبتكرين الخاصة بالمسنين بدولة البحرين في 2025، وفازت بمسابقة الابتكارات لذوي الهمم “مبادرة العيش باستقلالية” لدولة قطر في نوفمبر 2025، بينما حصلت قبلها على جائزة الالوكة بالمملكة العربية السعودية سنة 2013، عن ديوان شعري أول بعنوان “شجن أسود”، وهي حاصلة على الجائزة الثالثة في مسابقة أحسن اختراع لذوي الاحتياجات الخاصة، المنظمة من طرف وزارة البريد والاتصال سنة 2021.

كما فازت بجائزة “مبادرة آرتي”، لوزارة الثقافة والمدرسة الجزائرية للأعمال، بمشروع مسرح الصم والبكم سنة 2024، في حين سبقتها بجائزة “علي معاشي” لرئيس الجمهورية سنة 2019، عن المرتبة الثالثة، كما حازت على المرتبة الثانية في مسابقة جائزة أول نوفمبر 2020، المنظمة من طرف وزارة المجاهدين، كما حازت المرتبة الأولى في مسابقة مدح الرسول بالإذاعة الجهوية تلمسان سنة 2018، وكذلك المرتبة الأولى في مسابقة أحسن إخراج عن فيلمها “الثقب” بمهرجان السينما بسبدو سنة 2021.

واحتلت المرتبة الأولى أيضا، في مسابقة بفيلمها الوثائقي “مسجد سيدي الحلوي، الأثر الخالد”، نظمتها ولاية تلمسان سنة 2015، بينما تحصلت على المرتبة الثالثة في مسابقة الرسوم المتحركة بعنوان “حياة أحمد زبانة” في 2024، نالت أيضا شهادة من طرف “الويبو” نظمتها وزارة الثقافة والفنون مبادرة “آرتي” 2025.

لم تتوقف لحظة عن الإنتاج والإبداع والابتكار، فهي تحوز على عدة أعمال ككليب “لست عالة”، يروي قدرات أصحاب ذوي الاحتياجات الخاصة، فيلم “الثقب”، فيديو كليب لأنشودتها “صرخة شهيد”، كتابة عدة أنشودات كنادتنا سيرتا، مسرحية النوارة، فيلم وثائقي “عين فتاح موطن الشهداء”، وغيرها من الأعمال التي صنعت لها اسما في سماء الإبداع والابتكار.

 

 

جوائز لابتكارات تنتظر التجسيد

ورغم كل ما أنجزته “عائشة بلجيلالي” من ابتكارات رقمية لفائدة ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى، إلا أنها تبقى مشاريع مودعة بدرج مكتبها في انتظار تجسيدها.

حيث تواصل “عائشة” تركيزها على إيجاد الحلول لمشاكل تلك الفئات من البشر، حتى تسهل عليهم الحياة اليومية، رفقة فريقها المكون من الأساتذة (مجاجي محمد، فتحي هاشمي ومجاجي عبد المنعم)، تنتظر على أحر من الجمر مساعدة مؤسسات الدولة الجزائرية لها لتنفيذ تلك الابتكارات، لأن الإمكانيات المادية تفوق إمكانياتها الشخصية.

ففي الوقت الذي ترفض فيه الاستجابة لدعوات أجانب من أجل تبني ابتكاراتها، فقد كلفها أحد المشاريع المبتكرة دفع 800 دولار للحصول على نظارة خاصة ثلاثية الأبعاد لتنفيذ تجربتها وقد نجحت. لكنها تبقى بحاجة إلى دعم حقيقي من طرف الدولة، لاسيما وأنها تطالب بتعديل قانون الوظيفي العمومي، حتى تستطيع إنشاء مؤسسة ناشئة لتبني ابتكاراتها، لأن القانون الحالي يمنع على الموظف ازدواجية الوظيفة، لأنها لا ترغب في قطع علاقتها بهؤلاء الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين تدرسهم بالمركز التابع لوزارة التضامن، بينما تتمنى أن تبقى على تواصل مستمر معهم في الوقت الذي تحصل فيه على فضاء قانوني، يسمح لها بتجسيد مشاريعها الحاملة لحلول مشاكلهم اليومية.

أعدته: ميمي قلان 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى