
عـادت الأجواء الرمضانية إلى الجزائر، يستنشق من خلالها الجزائريون “رائحة رمضان”، “ريحة رمضان” تعبير مجازي في لهجة الجزائريين، لكنه يعبر عن قيم وعادات وطقوس يكافح أهل هذا البلد العربي للحفاظ عليها ومحاربة طمسها في شهر عظيم لا يتكرر إلا مرة في العام.
“الــبــديل” حاولت استكشاف ما بقي من عادات الجزائريين وخاصة جوهرة الغرب الجزائري تلمسان في رمضان…

إكرام الطفل التلمساني الصائم… عادات متجذرة منذ القدم
يعـتـبر صيام الأطفال لأول مرة خطوة هامة ومميزة تحتفل بها العائلات التلمسانيـة بطريقة خاصة تختلف من منطقة إلى أخرى عبر الوطن، وهذا قصد تحبيبهم في الصيام وفى شهر رمضان الكريم… ليـبقى للدين من جهة والطب من جهة أخرى، وجهة نظر مختلفة حول الموضوع.
فرحة وغبطة هي التي يشعر بها الصائم، ما بالك إن كان هذا الأخير طفلا صغيرا، ففي براءة لامتناهية يمنع نفسه من الأكل والشرب طيلة اليوم، وبذلك يحظى بدلال خاص من قبل العائلة، اعـتمادا على بعض العادات والتقاليد. والقصد من وراء ذلك، ترغيبه وتحبيبه في الصيام.
حيث جـرت العادة منذ القدم بمدينة تلمسان خلال شهر رمضان المعظم، أن تكرم العائلات أبناءها وبناتها بمناسبة موعدهم الأول مع الصيام، فيكون هذا اليوم السعيد حدثا مميزا وبهيجا في حياة الطفل والأسرة على السواء، فما إن يبلغ الطفل سن القدرة على تحمل الجوع والعطش أي من سن 6 إلى 10 تقريبا، حسب الفصل الذي يحل فيه شهر الصيام، تنصب حوله اهتمامات الأبوين فيستدرج شيئا فشيئا إلى الإمساك عن الطعام لتحضيره لهذا اليوم الموعود.
ولهذا الغرض، تدعوه عائلته إلى القيام بخطوة أولى نحو فريضة الصيام، تتمثل في الإمساك عن الطعام إلى غاية منتصف النهار خلال يومين متتاليين ليصبح يوما كاملا، وإذا لاحظ الأبوان أن الطفل قد تحمل فعلا هذا “الصيام الجزئي” بدون مشقة كبيرة، فإنهما يدفعانه في نهاية المطاف إلى صوم يوم كامل، بعد تشجيعه ليلا على تناول وجبة السحور كي يشعر بجدية الأمر.
وحسب شهادات بعض الجدات، هـذا اليوم الذي غالبا ما يصادف إحدى ما يعرف بالجهة، باسم “النـفـقتتـيـن” أي 14 أو 27 من رمضان، يحظى الطفل بعناية كبيرة من طرف محيطه، ناهيك عن الهدايا التي يمكن أن تجلب إليه بهذه المناسبة السعيدة، وتجد بعض العائلات التلمسانية في صيام الطفل لأول مرة فرصة في إلباس صغيرها نفس الملابس التي جهزت لعرس ختانه، كما أن نصيب الولد من الاحتفال بهذا اليوم أقل بكثير من حظ البنت.
حيث إن الذكر وإن كانت تجربته الأولى في الصيام، تجلب له رضا أفراد الأسرة وعطفهم، فإن هذه المناسبة تشكل عـيدا حقيقيا بالنسبة للأنثى، حيث صيام الفتاة لأول مرة يجعلها “عروس رمضان”، مما يجعلها محل عـناية خاصة من قبل أهلها الذين يلبسونها في الغالب “شدة” العروس أي “القفطان” التقليدي الذي تشتهر به منطقة تلمسان مزين بمختلف حليه وجواهره وكأنها عروس في ليلة زفافها.
وتطوف بعد ذلك رفقة أحد أفراد العائلة بمختلف منازل الأحباب والأقارب في زيارات ودية، تنال خلالها ودهم وكرمهم الشيء الذي يجعل الشوارع الرئيسية لمدينة تلمسان تزدان بمرور براعم من الصبايا في حلل وحلي تقليدية على شكل عرائس صغيرة لزيارة الأقارب، أو التوجه نحو محلات التصوير من أجل التقاط صور تذكارية رفقة البعض من أهلها. وفي المساء، وبعد وجبة الإفطار التي تكون مزدانة بمختلف الأطعمة والحلويات، تنظم الأسرة ليلة سمر على شرف الصائم الصغير بحضور المدعوين من الأقارب والجيران.

“الحريرة” و”الطبق الحلو” سيدا المطبخ التلمساني والكسكسي بالزبيب سيد المائدة في السحور
تتميز أجواء الصيام في مدينة تلمسان العريقة بمزيج من الروحانية العميقة والتقاليد الأندلسية المتوارثة، حيث تزدان المساجد، وتنشط الحركة التجارية في أسواقها التاريخية، يفوح عطر “الحريرة” التلمسانية والأطباق التقليدية من المنازل، مع سهرات رمضانية عائلية وروحانية تميز مدينة العلماء والصالحـين.
ويعـتبر حساء الحريرة من الأطباق الذي لم يبرح المطبخ والموائد الرمضانية التلمسانية منذ أمد بعيد والذي يضاف لها الأطباق الأخرى التي تحضرها المرأة التلمسانية. هناك طاجين ”البرقوق بالقسطل والزبيب المصبر في العسل”، والذي يحضر بالفرن، ويقدم هذا الطبق بعد تناول الإفطار بساعتين أو أكثر أي في السهرة، حيث يتناول الحلو تكملة لطعام الإفطار الرئيسي.
كما تحضر التوابل والمواد الخاصة بتحضير الأطباق التقليدية لهذا الشهر الكريم، إلى جانب المقطفة التي تحضر وتجفف بالمنزل، وأيضا ”نعناع الفطور” الذي يعد ضروريا لإعداد أطباق الحريرة و”التفاوه” و”القصبر” و”الزعفران”، هذه التحضيرات المميزة تعد قاسما مشتركا بين كل نساء تلمسان، بدء من منطقة ”باب الحديد” إلى منطقة ”درب السوفة” مرورا بكل من ”سدي الحلوي” و”سيدي الجبار” و”درب السلسلة”.
كما يشكّـل طبق الكسكسي بالزبيب أو “المسفوف” خصوصية وجبة السحور بمختلف مناطق ولاية تلمسان، لكن رياح العصر ودخول العديد من قنوات الطبخ حيز الخدمة أتت على العديد من التقاليد والعادات الشعبية التي توارثتها الأجيال أبا عن جد، وهو ما دفعنا للتساؤل عن مدى التزام سكان المدية بهذه العادة التي ظلت صامدة وسط أشهى الأطباق الرمضانية المتنوعة.
وبالعودة للحديث عن “المسفوف”، فهو عبارة عن كسكس يمزج بقليل من الزبدة مع الزبيب أو العنب المجفف ويسقى بالحليب أو اللبن، وهناك من يفضل تحضير هذا الطبق بالخضار بدلا من الزبيب، والمعروف عموما أنها وجبة خفيفة تساعد مستهلكها على مقاومة الجوع، وبدا جليا من خلال الحديث مع بعض المواطنين بخصوص هذا الطبق. إن كبار السن مازالوا متشبثين بهذه العادة التي تميز المطبخ الرمضاني التلمساني تشبث الرضيع بأمه، وحتى شباب اليوم بدوا متعلقين بنكهة هذا الطبق التقليدي، لكن بين هاتين الفئتين، نجد فئة أخرى من شباب اليوم يستهويها ارتشاف فناجين القهوة مع الحلويات، بدلا من تناول هذه الوجبة الصحية، والتي تبين أنها مفيدة جدا في مقاومة الجوع، بالإضافة إلى أنها صحية بشهادة الأطباء.
السيدة “يمينة” عاملة بالبلدية، سألناها عن نوع الطبق الذي تحضره لوجبة السحور فقالت:” إن الكسكسي بالخضار بدلا من الزبيب، مازال يتربع على مائدة السحور في منزلي وزوجي لا يمكنه أن يتسحر بدون أن يشاهد الكسكسي على المائدة، وأنا شخصيا لا أتوانى عن تحضير هذا الطبق لأفراد أسرتي، مع الحرص على تنويع وجبات السحور”.
من جهته، “رشيـد” يعـمل كأستاذ في التعليم الثانوي سألناه عن وجبته المفضلة في السحور فـردّ بأنه يفضل “البريوش” بالحليب على الكسكسي، بسبب المتاعب الصحية التي يسببها له لأنه مصاب بالقولون والمعدة، ولا يستطيع هضم الكسكسي في حين أن الحليب بالبريوش يجعله نشيطا وحيويا عند الاستيقاظ من النوم وأكد لنا بأن وجبة الكسكسي حاضرة في المائدة لأن زوجته لا تحب “البريوش” مع الحليب.
من جهته، “عمي أعـمر” متقاعد، أشار إلى أن التهافت الملحوظ على الزبيب (العنب المجفف) الذي يصل سعره إلى 600 دج للكيلوغرام الواحد، يترجم بلا شك مدى تمسك الأسرة الجزائرية بعادة التسحر بالكسكسي الممزوج بالزبيب، خاصة وأن الأمر يتعلق بوجبة خفيفة وذات فوائد صحية.
انتقلنا إلى شباب اليوم لنسألهم عن وجبة الكسكسي أو المسفوف في السحور، فاتضح أن العديد منهم سائرون على خطى آبائهم، سفـيان متزوج منذ 3 سنوات، كشف أن هذه الوجبة تصاحب رمضانيات أسرته كل عام، وأنه بحكم العادة لا يمكن أن يتخلى عنها، مضيفا: “ولحسن الحظ في أول رمضان بعد زواجي، وجدت طبق الكسكسي بالزبيب على مائدة السحور جاهزا دون أن أطلب من زوجتي إعداده، ما يشير إلى أن التسحر بهذه الوجبة ما يزال تقليدا ساريا في وسط العائلات التلمسانية”. وعن سبب التزامه بهذه العادة، فأجاب بأنها عادة متوارثة وأكلها صحي بامتياز.
من جهته، “حمزة” بائع ألبسة، طرحنا عليه سؤال عن رأيه في وجبة السحور، فقال إنه يعشق هذا الطبق الذي ألف ذوقه منذ الصغر… لافـتا إلى أن كل أشقائه لا يفوتون فرصة التسحر به بهذا الطب.
تبادل الأطباق بين الجيران في رمضان…عادة تعكس الجود والكرم
لاتزال بعض العائلات التلمسانية متمسكة بالكثير من العادات والتقاليد الأصيلة، منها تقليد تبادل الأطباق بين الجيران، وغـالبا ما تكون من الأصناف التي تصنع من قبل ربة المنزل، كالخبز، البوراك، الكسكسي للسحور، أو أنواع مختلفة من العصائر التقليدية المحضرة في المنزل، كما يمكن أن تكون من الحلويات التقليدية الخاصة بشهر رمضان.
كان قديما يتم تقديم الحلويات المحضّرة في البيت، إلا أن اليوم يمكن تقديم أيضا الحلويات التي تباع في المحلات، كقلب اللوز والقطايف… وغـيرها، وهي الميزة التي تطبع بشكل خاص الشهر المعظم، شهر الرزق والبركة، حيث تدق العديد من ربات البيوت باب جاراتهن، ليقدمن لهن طبقا معينا مما حضرنه لعائلاتهن، حيث كان الأسلاف قديما يعيشون في أحواش بها العديد من الأسر، يجمعها الاحترام والتقدير والوقار يفرض نفسه، الصغير يوقر الكبير والكبير يحترم الصغير، وكان لكل واحد مكانته الخاصة، والجميع يعيش في كنف عائلة كبيرة، كانت في تلك المرحلة العديد من العادات الجميلة التي كادت أن تزول نتيجة التطور بكل أبعاده، والمشاكل التي جرها ذلك التطور من الضغط الاقتصادي، المادي، الثقافي أو الذهني إلى دفع الكثيرين إلى البحث عن العزلة، وجعل من الحياة الاجتماعية خيارا أخيرا يمكن الاستغناء عنه.
حيث إن ذلك لم يكن منطق كل العائلات الجزائرية عامـة والتلمسانـية خاصة، وهذا ما أثبته استطلاع أو ربورتاج “الــبــديــل” الذي أجريناه بين العديد من العائلات الجزائرية، من خلال مختلف التقاليد الرائعة التي لا تزال متجذرة في حياة الكثيرين، ومن تلك العادات تبادل الأطعمة بين الجيران، وفي حديث بعض العائلات، أن عادة تبادل الأطباق تعود مع كل شهر رمضان الكريم، مشيرة إلى أن ذلك من الموروثات الشعبية والعادات التي كانت تحرص عليها العائلات، كتقليد جميل يجعل الجيران يشعرون بأنهم أسرة واحدة، لاسيما خلال شهر رمضان المبارك الذي غالبا ما يبحث فيه الفرد على جو المحبة والأخوة والتقرب من الله، بإدخال البهجة إلى نـفـس الـقـريب والصديق.
ع. أمــيــر



