
تعد المسافات الشاسعة عائقًا أمام التدخلات الطبية المعقدة. إذ شهد العالم في سبتمبر 2025 إنجازًا طبيًا وتقنيًا غير مسبوق. تمثل في إجراء عملية جراحية روبوتية عن بعد بين الكويت والبرازيل. حيث أدار الجراح أدواته من غرفة عمليات في مستشفى “جابر الأحمد” بالكويت. بينما كان المريض على طاولة الجراحة في مستشفى الصليب الأحمر بالبرازيل.
هذا الحدث لم يكن مجرد تجربة تقنية عابرة. بل سجل رقمًا قياسيًا عالميًا بوصفه أطول مسافة يتم عبرها تنفيذ جراحة روبوتية عن بعد.
بعدما تجاوزت المسافة بين الموقعين 12 ألف كيلومتر في تزامن دقيق. جعل القارتين تعملان وكأنهما داخل غرفة عمليات واحدة.
وتبرز أهمية هذا الإنجاز في كونه يعكس تحولًا جذريًا في مفهوم الرعاية الصحية الحديثة.
حيث لم يعد حضور الطبيب الفيزيائي شرطًا أساسيًا لإجراء تدخل جراحي دقيق. بل أصبح الاتصال الآمن عالي الاعتمادية عنصرًا محوريًا في نجاح العملية.
جراحة روبوتية عن بُعد .. دقة زمنية تحسم نجاح الجراحة
لم يكن التحدي الحقيقي في المسافة وحدها. بل في عامل الزمن الذي يعد حاسمًا في أي عملية جراحية تعتمد على التحكم عن بعد.
وقد أنجزت الجراحة بزمن استجابة بلغ في المتوسط مئة وتسعة وتسعين جزء من الثانية. وهو رقم مكّن الجراحين من تنفيذ الحركات دون أي تأخير ملحوظ.
واعتمدت العملية على شبكة اتصال ذات نطاق عريض بسرعة 80 ميغابت في الثانية مع نسبة فقدان حزم لم تتجاوز أجزاء بسيطة جدًا.
وهي مؤشرات تقنية وفرت بيئة امنة ومستقرة .مكّنت الروبوتات الجراحية من الاستجابة الفورية لأوامر الجراح.
وما يزيد من أهمية الحدث أنه لم يقتصر على اتجاه واحد فقط. بل شهد تنفيذ عمليتين كاملتين في تجربة غير مسبوقة.
حيث أجرى جراحون في الكويت عملية لمريض في البرازيل ثم أجرى جراحون في البرازيل عملية مماثلة لمريض في الكويت في إثبات عملي لإمكانية الجراحة الروبوتية الدولية ثنائية الاتجاه.
وقد كانت العمليتان من نوع إصلاح الفتق الإربي باستخدام المنظار عبر منصات جراحية روبوتية متقدمة، وشارك في إنجازهما نخبة من الأطباء من الجانبين وسط تنسيق دقيق بين الفرق الطبية والتقنية.
شبكة اتصالات بحجم غرفة عمليات
خلف هذا النجاح الطبي وقف إعداد تقني معقد جرى التخطيط له بعناية. حيث صممت شبكة نقل دولية مخصصة ربطت الكويت ومرسيليا وساو باولو. مع توفير مسارات احتياطية متعددة لضمان استمرارية الاتصال طوال مدة الجراحة دون انقطاع.
هذا المستوى من الجاهزية التقنية يعكس تحول شبكات الاتصالات. من مجرد بنية خدمية إلى عنصر أساسي في إنقاذ الأرواح. إذ أصبحت جودة الاتصال وسرعته واستقراره عوامل لا تقل أهمية عن الأدوات الجراحية نفسها.
وقد أكد القائمون على المشروع أن هذا الإنجاز يبرهن على قدرة شبكات الاتصالات الحديثة. على دعم تطبيقات صحية شديدة الحساسية للزمن. حيث يمكن لأجزاء من الثانية أن تصنع الفارق بين نجاح العملية أو فشلها.
وجرى توثيق الرقم القياسي رسميًا خلال مؤتمر صحفي في الكويت بحضور ممثلين عن وزارة الصحة والفرق الطبية وشركاء التكنولوجيا، ليُسجل الإنجاز ضمن السجلات العالمية للأرقام القياسية بوصفه محطة فارقة في تاريخ الطب عن بُعد.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الحدث لا تكمن في الرقم القياسي بحد ذاته، بل في الآفاق التي يفتحها أمام مستقبل الرعاية الصحية العالمية من خلال تمكين التعاون الطبي العابر للحدود وسد النقص في التخصصات الدقيقة وتوفير خدمات جراحية متقدمة لمناطق تفتقر إلى الخبرات. وهكذا يرسخ هذا الإنجاز فكرة أن الجغرافيا لم تعد عائقًا أمام الطب عالي الدقة، وأن غرف العمليات في المستقبل قد تمتد عبر القارات بفضل شبكات اتصالات صُممت لتكون شريانًا جديدًا للحياة.
بن عبد الله ياقوت زهرة القدس



