
تعتبر “فطيمة الزهرة بن يحيى”، من الطلبة الذين حالفهم الحظ للدراسة في العصرين، التقليدي الذي يعتمد على البحث عن المعلومة بين دفتي الكتاب، والعصر التكنولوجي الذي أصبحت الآلة فيه ترادف الجهد البشري، ليس فقط الجهد العالي وإنما حتى الفكري، عبر أحدث الأساليب والتقنيات، على غرار الذكاء الاصطناعي والرقمنة…

فـ “فطيمة بن يحب”، طالبة دكتوراه تخصص علوم الإعلام والاتصال بجامعة الأغواط، مقبلة على مناقشة أطروحتها الموسومة بـ: “استخدامات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي ـ دراسة ميدانية على عينة من الإعلاميين الجزائريين ـ”، متحصلة على درجتي ليسانس وماستر في علوم الإعلام والاتصال من جامعة سعيدة، وتعمل كأستاذة جامعية مؤقتة بجامعة الأغواط.
حاولت جريدة “البديل” محادثتها من أجل الإلمام لمدة تأثير الذكاء الاصطناعي على الطلبة ودرجة اعتمادهم عليه، من خلال هذه المساحة الجوارية:
بصفتك باحثة، هل تستخدمين الذكاء الاصطناعي في عملك الأكاديمي؟
إن دمج الذكاء الاصطناعي في الممارسات البحثية لم يَعُد خيارا ترفيهيا للباحث، ففي تقديري أراه ضرورة منهجية تمليها التحديات البحثية الحالية، نظرا للتدفق الهائل والسريع للمعلومات ومتطلبات مواكبة مختلف المستجدات في عصرنا.وعليه، لا يمكن فصل الممارسات البحثية المعاصرة عن أدوات الذكاء الاصطناعي، فأنا أتبنى الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة في أعمالي البحثية باعتباره امتدادا للقدرة الإدراكية للإنسان، لكن ذلك يكون بطريقة منضبطة وممنهجة، لأنه لا يعد بديلا جاهزا عن الباحث، فهو في نهاية المطاف كأي تكنولوجيا عبارة عن “سلاح ذو حدين” يجب استخدامه بحذر وفي إطار أخلاقي دون الاعتماد الكلي عليه.
ما هي مجالات استخدامك له؟
أستثمر في استخدامه في عدة مجالات بحثية على غرار تعلم اللغات أو الترجمة، تسهيل الوصول للدراسات والمراجع العلمية والوصول لقواعد البحث العلمية العالمية، مع التأكد مما يقدمه لي ومراجعته والتدقيق فيه. هذا، وأستخدمه في العصف الذهني لتوسيع أفق أفكاري ومناقشتها، وأيضا في تبسيط بعض المفاهيم المعقدة، كما أنه أداة مهمة لتوليد الصور وصناعة المحتويات البصرية بشكل مبسط، وغيرها من المجالات ربحا لثلاثية الجهد والوقت والتكلفة، ومع ذلك تبقى التحليلات المعمقة وصياغة الاستنتاجات العلمية وتطوير الأفكار مهمة بشرية في الأساس، تعتمد على خبرة الباحث وحسه النقدي، ولا يمكن للتكنولوجيا أن تعوضها.
بناء على تجربتك في التدريس، هل ترين أن الطلبة يستخدمون الذكاء الاصطناعي كشات جي بي تي Chat gptوغيره من التطبيقات، بشكل صحيح؟
هنا يكمن التحدي الأكبر، إذ يتعلق ذلك بطبيعة الاستخدام وذكاء المستخدم، فالبعض يستخدمه بشكل صحيح من خلال الاستعانة به في أداء الأعمال البحثية باحترافية من خلال فهم الدروس وتبسيط المحتوى وتطوير المهارات، مع العلم أنني سمحت لهم باستخدامه، لكن هناك من يُفرط في هذا الاستخدام ما يخلق لديه اتكالية مفرطة، ويضعف مهارات التفكير والإبداع لديه، ويجعله مستهلكا لا منتجا.
اشرحي لنا عن أكثر الأخطاء التي يرتكبها الطلبة في استخدام الذكاء الاصطناعي؟
ربما أكثر الأخطاء تتعلق بالاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي دون بذل مجهود شخصي، وتقديم العمل على أنه إنجاز ذاتي، ضف على ذلك قبول إجاباته دون فحص أو تمحيص، دون إدراك لاحتمالية وجود معلومات خاطئة أو مغلوطة لأن الذكاء الاصطناعي ونماذج اللغات الكبيرة بإمكانها توليد بيانات تبدو موثوقة لكنها عكس ذلك، كما أن هناك من يستخدمه للغش وتجنب التحليل، لدرجة أن عقل الطالب أصبح لا يستطيع أن يحلل أبسط الأمور ويلجأ للذكاء الاصطناعي مباشرة لحلها تفعيلا للحلول السريعة، وهذا ما يقتل الإبداع البشري بالتدريج، فالطالب سيتوقف عن فعل أي شيء بمجرد توقف الإنترنت، ومعها توقف الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، وهنا تغيب النزاهة العلمية وتُستثار قضايا أخلاقية عميقة.
هل يمكن اعتبار استخدام الطالب للذكاء الاصطناعي غشا أكاديميا؟
أولا يجب أن نفصل بين الأداة والنية، فأي تكنولوجيا مفيدة إذا كانت نية استخدامها جيدة، إذ لا يعد كل استخدام غشا، فكما ذكرنا سالفا الغش يتعلق بطبيعة الاستخدام غير المنضبطة، بحيث تصبح هذه الأدوات وسائل للغش عندما تحل محل الجهد الفكري للطالب، وعندما تكون نيته الفعلية “الغش”، أما عندما تستخدم هذه الأدوات كوسيلة مساعدة لضمان تعلم فعال، فإن استخدامها مشروع، ويرتبط ذلك في الأساس بالشفافية والالتزام بالمعايير الأكاديمية ووعي الطالب بطريقة الاستخدام الآمنة والمشروعة، وهو ما يجب على المؤسسات الجامعية تعليمه إياه من جهة، ومن جهة أخرى يجب عليه الاجتهاد بنفسه لمعرفة ما يضره وما ينفعه.
كيف يمكن للطالب أن يستخدمه بطريقة علمية وأخلاقية؟
يجب على الطالب أن يتعلم أولا كيف يستخدمه وفي ماذا يجب أن يستخدمه، وكيف يستفيد منه، وما الذي يجب تجنبه في استخدامه، وذلك من خلال تبني مهارة محو أمية الذكاء الاصطناعي، ويتعلق الأمر باستخدامه كموجه ومحفز لفهم الأفكار والمفاهيم وليس لإنجاز العمل بالكامل دون بذل جهد، وذلك بإجراء حوارات معمقة معه، وطلب وجهات نظر متعددة واختبار مدى فهمه للمواضيع المطروحة عليه، كما يجب على الطالب التحقق من المعلومات المقدمة من طرف الذكاء الاصطناعي بشكل دائم، وتدعيم ذلك باجتهادات الطالب الشخصية، ثم الاعتراف باستخدامه لضمان الالتزام بالشفافية في إنجاز أعماله، كل هذا يجعل الذكاء الاصطناعي شريكا يدعم التعلم وتظل المسؤولية الفكرية والأخلاقية على الطالب.
في رأيك، ما هي الآثار السلبية للاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي؟
الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى عدة آثار سلبية، والبداية بضعف المهارات الأساسية مثل الكتابة والتحليل النقدي، إذ يقلل ذلك من الاعتماد على التفكير الشخصي ويضعف الدافع الذهني لتفكيك الظواهر والإشكاليات البحثية، وتقييم الأدلة المتضاربة، والوصول لاستنتاجات معمقة، كما أنه يسهم في تراجع القدرات النقدية، حيث يصبح الطالب أقل قدرة على تقييم المعلومات وتفسيرها، كما أن ذلك يفقده الثقة بالنفس، ويتحول إلى متلقٍ سلبي تَعَلمه وتفكيره سطحي وهش، لأنه يعتمد على الآلة لإتمام المهام بدلا من تطوير قدراته الذاتية، وهو ما يسهم في إضعاف جودة الطالب نفسه، لأن العملية التعليمية تتحول إلى نسخ ولصق أو استخدام حلول جاهزة، مما يقلل من التعلم الحقيقي، لذلك فالاستخدام الواعي والمتوازن مهم جدا لضمان أقصى استفادة.
كيف يمكن للمؤسسات الجامعية تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الوسط الأكاديمي؟
يمكن للمؤسسات الجامعية تنظيم هذا الاستخدام عبر عدة آليات، أولها وضع سياسات واضحة تحدد الاستخدام المسموح والممنوع لكل أداة ذكاء اصطناعي، مع إدماج وحدات تعليمية في المناهج لتعريف الطلبة بالأخلاقيات الرقمية وكيفية استخدام التكنولوجيا بشكل مسؤول، مع إجراء تكوينات تطبيقية لكيفية الاستخدام الفعال، ثم تدريب الطلبة على التفكير النقدي والتحقق من المعلومات الرقمية، وصولا لتشجيع الاستخدام البنّاء للأدوات بدلاً من المنع الكامل، بحيث يتعلم الطالب الاستفادة من التكنولوجيا دون المساس بالنزاهة العلمية.
هل سيغير الذكاء الاصطناعي طريقة التعليم مستقبلا؟
بصفة عامة، من المحتمل أن يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة نموذجية في طرق التعليم وأهدافه، وقد تظهر أشكال جديدة من التعليم تتجاوز ما سبقها من طرق، رغم أن مستقبله في التعليم لازال غير واضح المعالم خاصة في ظل تطوره المستجد، لكن وبناء على المعطيات الحالية سيكون له تأثيرات مصحوبة بميزان بكفتين تحمل إيجابيات مثلما تحمل سلبيات أيضا، وذلك يتعلق بطريقة الاستخدام ومدى تطور المنظومة التعليمية وتكيفها معه، إذ لا نستطيع نفي دوره فهو وسيلة هذا العصر ولا مفر من تعلمها، لنأمن من شرورها، ونستفيد من إيجابياتها، وذلك يتعلق بتكاثف الجهود بين الطالب والمؤسسات التعليمية فهذه الأخيرة سيكون لها دور في تنظيم العمل به، أما الطالب فمنوط به الاستخدام الأخلاقي الذي لا يخرج عن إطار المؤسسة، لتحقيق المنافع وتقليل الأضرار المحتملة، وحتى لا تتغير الأدوار ولا نقع في إشكالية إنسانية الآلة وآلية الإنسان.
هل من كلمة أخيرة؟
نشكركم على حسن ثقتكم في اختيارنا لإجراء هذا الحوار، وسلاستكم في طرح الأسئلة، خاصة أن موضوع استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي موضوع مهم يحتاج الاهتمام الأكاديمي والإعلامي على حد سواء، لأن ثورة الذكاء الاصطناعي ثورة لابد من التكيف معها في مختلف المجالات وليس البحث العلمي فقط، فهو قوة تحويلية لا يمكن إيقافها، ولتبقى خادمة للعقل البشري لا سيدا.وعليه، فإن مسؤوليتنا الأكاديمية أن نتبناه بوعي نقدي، لأن مستقبلنا يتعلق بسؤال جوهري مفاده ليس ما يفعله الذكاء الاصطناعي، بل في اختياراتنا فيما يجب أن نفعله به، وفي كيفية توظيفه في تعزيز دور الإنسان كمنتج للمعرفة.
حاورتها: ميمي قلان



