
نظّم نادي “حلقة المأمون للإبداع والترجمة” بالمدرسة العليا للأساتذة ببشار، يوم الخميس الماضي، معرضا تحسيسيا حول مخاطر المخدّرات في مبادرة، وُصفت بأنها خطوة نوعية لتعزيز الوعي الصحي والأخلاقي في أوساط الطلبة، والتصدّي لآفة باتت تهدّد الشباب والمجتمع على حدّ سواء.
المعرض، الذي أُقيم بجوار الجناح (I)، لم يكن مجرّد نشاط عابر، بل كان مسارًا توعويًا متكاملًا صيغ بعناية ليمزج بين المعرفة العلمية والبعد اللغوي والشرعي والتفاعل المباشر مع الزوّار.
تميّزت أركان المعرض بتنوّعها وترابطها، حيث انطلق الزائرون من الركن اللغوي، الذي قدّم تعريفًا دقيقًا للمخدّرات وأنواعها، إضافة إلى نبذة تاريخية عن ظهور هذه المواد واستعمالاتها عبر الأزمنة، مع شرح للمفهوم العلمي واللغوي لهذه الآفة، في محاولة لتفكيك الصورة الضبابية التي قد يملكها بعض الشباب عن ماهية المخدّرات وحدود استعمالها الطبّي وغير الطبّي. ومن اللغة انتقل الزائر إلى لغة الأرقام، في ركن الإحصاءات الذي عرض معطيات حديثة حول نسب تعاطي المخدّرات في الجزائر والعالم، مبرزًا بشكل خاص مدى استهداف فئة الشباب، الأمر الذي يجعل من الوقاية مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل، ويحوّل الأرقام الصامتة إلى إنذار حقيقي يدعو إلى اليقظة.
ولم يقتصر النشاط على التشخيص فحسب، بل قُدّمت في ركن النصائح الوقائية مجموعة من الإرشادات العملية التي تساعد الطلبة على حماية أنفسهم من الوقوع في براثن التعاطي، من بينها حسن اختيار الأصدقاء، وتجنّب تجربة أي مادة مجهولة، وطلب المساندة من الأسرة أو المختصّين عند الشعور بالضغط أو الاضطراب النفسي.
وجاء الركن الشرعي ليضفي بعدًا روحيًا وأخلاقيًا على المعرض، حيث عُرضت الأحكام الشرعية المتعلقة بالمخدّرات، باعتبارها من المهلكات المحرّمة التي تدمّر العقل والنفس والمال، مع الاستشهاد بآيات وأحاديث تدعو إلى حفظ النفس والعقل، من بينها قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، في تذكير صريح بأنّ التعاطي مسار إرادي نحو الهلاك.
ومن الجوانب اللافتة في هذا اليوم التحسيسي، تخصيص ركن للقصاصات متعدّدة اللغات، عُرضت فيه نصوص وعبارات حول مخاطر المخدّرات وسبل الوقاية منها باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية، ثم طُلب من الطلبة ترجمتها، في تجربة جمعت بين متعة الترجمة وعمق الرسالة التوعوية، وجعلت من اللغة أداة لنشر الوعي لا مجرّد مادة دراسية. كما استوقف الكثيرين ركن “افتح الصندوق”، وهو ركن تفاعلي يقوم على طرح أسئلة مرتبطة بالمعلومات التي جرى تقديمها في الأركان السابقة، من قبيل: أيّ مادة تُعد منبّهة من بين الهيروين والحشيش والميثامفيتامين؟ حيث كانت الإجابة الصحيحة هي الميثامفيتامين. وقد نجح هذا الركن في خلق جو من المتعة المدروسة، واختبار مدى استفادة الطلبة من المضامين المعروضة، بعيدًا عن الشكل التقليدي للمحاضرات الجامدة
ولأنّ الوعي الحقيقي يُقاس أيضًا بقدرة المتلقّي على إنتاج خطابه الخاص، خُصّص ركن للزوّار أتيح لهم فيه تدوين نصائحهم ورسائلهم على ملصقات ملوّنة تحمل عبارات تحذير وتشجيع ودعوة إلى الوقاية. تحوّل هذا الركن إلى مساحة للتعبير الحرّ عن مواقف الطلبة تجاه المخدّرات، وعكس مستوى راقٍ من النضج والمسؤولية، حيث برزت عبارات تدعو إلى حماية الصديق قبل النصح، وإلى جعل الجامعة فضاءً للحياة لا للهروب إلى الإدمان.
في ختام اليوم، تقدّم نادي حلقة المأمون للإبداع والترجمة بجزيل الشكر والعرفان إلى الأستاذ المشرف الدكتور “كاملين جيلالي”، على دعمه المستمر وتوجيهاته القيّمة، مع التمنّي له بالشفاء العاجل ودوام الصحة والعافية، كما توجّه بالشكر إلى مدير المدرسة العليا للأساتذة ببشار، البروفيسور “براهيم عبد النور”، على زيارته الكريمة ومساندته الدائمة، وتشجيعه المتواصل لمثل هذه المبادرات، وإلى الدكتور “بوسماحة الطيب” على حضوره ومشاركته، وإلى الأمين العام السيد “كرومي بوعمامة” على تسهيلاته ومساندته لإنجاح هذا النشاط، فضلًا عن مصلحة النشاطات العلمية والثقافية والرياضية بالمدرسة على تعاونها وتوفيرها لظروف التنظيم الملائمة.
لقد برهن هذا المعرض التحسيسي أنّ الجامعة ليست مجرّد قاعات ودروس، بل يمكن أن تكون منبرًا لحماية الإنسان وبناء وعيه. فالجمع بين الإبداع والترجمة والتوعية الصحية استثمار حقيقي في حصانة الطلبة النفسية والأخلاقية. هكذا كان يوم المخدّرات بالمدرسة العليا للأساتذة ببشار: يوم وعي لا خوف، ورسالة للشباب بأن مستقبلهم أثمن من أن يُغامروا به في لحظة ضعف أو فضول عابر.
ع. العربي



