
احتضنت جامعة تلمسان، فعاليات الملتقى الوطني الثاني الموسوم بـ”الرياضة والصحة النفسية عند ذوي الهمم – مقاربات علمية وتطبيقية للرقي بالممارسات الميدانية”، في مبادرة علمية وإنسانية عكست تزايد الاهتمام الأكاديمي والمؤسساتي بقضايا هذه الفئة، وسبل إدماجها الفعلي في مختلف مجالات الحياة، لاسيما النشاط الرياضي.
جاء تنظيم هذا الحدث العلمي بمبادرة من قسم علم النفس وعلوم التربية والأرطوفونيا، بالتنسيق مع مخبر البحوث في القياس النفسي وتطبيقاته بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تحت رئاسة الأستاذ عبد القادر معافي، وبمشاركة نوعية لنخبة من الأساتذة الباحثين والخبراء من جامعات وطنية مختلفة، إلى جانب حضور لافت لإطارات قطاع الشباب والرياضة، الذين أسهموا بخبراتهم الميدانية في إثراء النقاش وربط الطرح الأكاديمي بالواقع التطبيقي.
فضاء علمي لتكامل الرؤى وتبادل الخبرات
شكّل الملتقى فضاءً علميًا مفتوحًا لتبادل الرؤى والأفكار حول الأدوار المتعددة التي يمكن أن تضطلع بها الرياضة في تحسين الصحة النفسية لذوي الهمم، حيث أجمع المتدخلون على أن الممارسة الرياضية لم تعد تقتصر على بعدها الترفيهي أو البدني، بل أضحت أداة فعالة ذات أبعاد علاجية ووقائية، تسهم في التخفيف من الضغوط النفسية وتعزيز الثقة بالنفس، فضلًا عن دعم الاندماج الاجتماعي لهذه الفئة.
كما تناولت المداخلات جملة من القضايا المرتبطة بالتحديات النفسية والاجتماعية والبيداغوجية التي تعيق أحيانًا انخراط ذوي الهمم في الأنشطة الرياضية، من بينها نقص التأطير المتخصص، وضعف الإمكانيات المادية، إضافة إلى بعض التمثلات الاجتماعية السلبية. في هذا السياق، قدّم الباحثون مقاربات علمية دقيقة تهدف إلى تجاوز هذه العوائق، من خلال تطوير برامج تدريبية وتربوية تراعي خصوصيات هذه الفئة وتستجيب لاحتياجاتها النفسية والجسدية.
الربط بين الجانب النظري والتطبيقي
ومن أبرز محاور الملتقى، التركيز على ضرورة تحقيق التكامل بين الجانبين النظري والتطبيقي، حيث عرض إطارات قطاع الشباب والرياضة تجارب ميدانية ناجحة تعكس الجهود المبذولة على أرض الواقع لترقية الرياضة الموجهة لذوي الهمم. وقد أبرزت هذه التجارب أهمية العمل التشاركي بين مختلف الفاعلين، من جامعات ومؤسسات رياضية وهيئات عمومية، من أجل ضمان مرافقة فعالة ومستدامة لهذه الفئة.
الابتكار والرقمنة في خدمة التأهيل الرياضي
لم يغفل المشاركون التطرق إلى آفاق تطوير هذا المجال في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، حيث تم التأكيد على أهمية إدماج التكنولوجيات الحديثة والرقمنة في منظومة التدريب والتأهيل الرياضي، بما يسمح بتقديم برامج أكثر دقة وفعالية، تعتمد على التتبع العلمي للأداء وتراعي الفروق الفردية بين الممارسين. كما شدّد المتدخلون على أن الاستثمار في الابتكار التكنولوجي من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة أمام ذوي الهمم، سواء من حيث تحسين جودة التدريب أو توسيع فرص المشاركة في المنافسات الرياضية.
توصيات لتعزيز التكوين والتنسيق المؤسساتي
في ختام أشغال الملتقى، خرج المشاركون بجملة من التوصيات، أبرزها ضرورة تعزيز التكوين الجامعي والمهني المتخصص في مجالات علم النفس الرياضي والتربية البدنية المكيّفة، بما يضمن تأهيل كفاءات قادرة على التعامل مع خصوصيات ذوي الهمم.
كما تم التأكيد على أهمية تكثيف التنسيق بين الجامعة ومؤسسات قطاع الشباب والرياضة، بهدف تصميم وتنفيذ برامج ومبادرات مشتركة تدمج الأبعاد النفسية والتربوية في العمل الميداني، وتحقق رعاية شاملة لهذه الفئة.
ويعكس هذا الملتقى، في مجمله، الدور المحوري الذي تضطلع به الجامعة في خدمة المجتمع، من خلال الانفتاح على قضاياه الحيوية، والمساهمة في تقديم حلول علمية عملية تعزز الإدماج الاجتماعي وترقية نوعية الحياة، خاصة لفائدة الفئات ذات الاحتياجات الخاصة، في إطار رؤية تنموية شاملة ومستدامة.
بكاي عمر



