لك سيدتي

الأمهات… من البيوت إلى الصالات 

الفرحة بنجاحات الأبناء 

  • الفضاء الرقمي… بين قص واستباق الإثارة

 

بظهور نتائج امتحانات شهادات التعليم، وتعالي الزغاريد من المؤسسات التربوية والبيوت، إيذانا بانتهاء مرحلة وإقبال أخرى، تنطلق الحفلات الصاخبة والتجمعات النسوية احتفالا بنجاحات الأبناء، ومعها تشكل التحضيرات أحد أهم عناصر الفرحة، تزاحمها الهدايا التي تصب من كل الجهات، تكريما للناجحين وتشجيعا لهم، لبذل مجهودات أكبر لتحقيق نتائج أفضل في المسارات العلمية القادمة.

وفي خضم أهازيج الأفراح، يتبادر إلى أذهاننا الزمن الجميل، الذي كانت فيه الاحتفالات بسيطة لا تكلف ماديا، بقدر ما يعنيه تقاسم الفرحة والبهجة بين الجيران والعائلة…

 

 

من التجمع العائلي البسيط… إلى “الديجي” وقاعات الأفراح

بمجرد سماعنا بقرب موعد إعلان النتائج، حتى تتزاحم ذكريات المناسبة في ماضي أيامنا، ونستعيد تلك اللحظات الأولى وما وثقته من مواقف، خاصة وأنه كان يتعين علينا التنقل إلى المؤسسة التربوية لمعرفة النتيجة.

بينما كان يكلف من يملك فرصة التنقل والعودة بالخبر بسرعة، بقائمة اسمية لمن تقطعت بهم السبل أو يقطنون بعيدا عن المؤسسة التربوية. في حين، تجتمع النسوة من الجيران وحتى الأقارب في بيت التلميذ المعني بالنتيجة، لإطلاق الزغاريد ومقاسمة عائلته الفرحة…. فور المجيء بالخبر السعيد، نعم الفرحة ليس بيته العائلي فقط وإنما كل الحي، معتبرينه حامل أملهم ومشرفهم في باقي مسيرته العلمية. فقد كانوا يرونه فوزا ونجاحا لهم جميعا، ومثال القدوة لباقي أبنائهم.

وفي غالب الأوقات، كانت الأم تنطلق مباشرة في صنع الحلويات التقليدية، لتقدمها مع القهوة والشاي، يوم “المعروف”، كما هو متعارف عليه في الغرب الجزائري، أو “الصدقة” بمعظم مناطق الوطن، والتي هي عبارة عن طبق الكسكسي باللحم أو الدجاج، حسب استطاعة كل عائلة.

أما اليوم، فقد تغير الأمر كله، وأصبحت الاحتفالات صاخبة، يصنعها ما يعرف بـ “الديجي”، أو الفرق الموسيقية وأهازيجها الصاخبة، بل تطور الاحتفال إلى مقارعة الأعراس بقاعات الاحتفال، التي تتحول إلى فضاء للرقص وحتى “التبراح” من طرف الأهل والأقارب، الذين يقدمون إكراميات كهدية تشجيع، وشكر على بذل الناجح للجهد طوال السنة الدراسية، يتخللها توزيع الطعام الذي ينافس طعام الأعراس (الحلو، طاجين الزيتون، الحريرة والبوراك…)، إضافة إلى أنواع الحلويات التي لا تخلو من اللوز والجوز… والتوزيعات التي أصبحت تعرف إسرافا في المال، دون نسيان الألعاب النارية التي تغطي السماء.

 

الهدايا من البيض والإكراميات إلى الملايين، الذهب والعطل المدفوعة

لا تنتهي أفراح حفلات النجاح بالتلاميذ الذين اجتازوا مرحلة دراسية إلى محطة أعلى، دون أن يتلقى أصحابها الناجحين هدايا مختلفة، حسب المستوى الاجتماعي لمعارفهم.

وبالعودة إلى الزمن الجميل، حيث كانت البساطة تشمل الجميع إلا القلة القليلة، فإن المباركين إذا كانوا رجالا لا يتأخرون في تقديم الإكرامية، بينما النسوة يسارعن إلى جمع البيض وبعض الهدايا البسيطة. في حين، كانت بعض العائلات المستقرة بالمناطق المعزولة أو ريفية يعدون أبناءهم بمنحهم فرصة زيارة أقاربهم المقيمين على الساحل لتمضية فترة الصيف، وفي حال نجاح البنات، فيسمح لهن باختيار العائلة من أقاربها لتمضية وقت ممتع مع بناتها.

بينما تغيرت الأوضاع اليوم، فقد أصبحت الهدايا فيها نوع من المنافسة، وإظهار الوضع الاجتماعي أكثر منه مقاسمة الناجح الفرحة، فبينما يكتفي البعض بتقديم هدايا كألبسة، مواد عناية بالجسم، تصل بعضها دفع تكاليف عطلة داخل وحتى خارج الوطن، الذهب والحلي بالنسبة للبنات، الملايين بالنسبة للأموال…

في حين، أصبح الناجح أو الناجحة هم من يفرضون جوائزهم أو هداياهم على أهاليهم، كأن تكون الهدية “الحصول على رخصة السياقة”. وبالنسبة للذكور، الكثير منهم أصبحوا يطلبون تزويدهم بالدراجات النارية، حتى يتنقلون بسهولة ويستمتعون رفقة أصدقائهم بخرجات ترفيهية، وغيرها من الطلبات التي كانت شبه مستحيلة في الماضي، وصعب التصريح بها أمام الولي خاصة، لتشدد معظمهم عكس اليوم أمام الانفتاح الموجود في العائلة.

 

الاحتفال بشهادة الابتدائي تنافس المتوسط والبكالوريا

بالحديث عن الاحتفالات، التي أصبحت تنظمها الأمهات بمناسبة نجاح أبنائهن في الامتحانات، لم تعد تقتصر على شهادة البكالوريا والمتوسط، فقط بل تعدتها واصبحت تشمل شهادة الابتدائي.

ففي وقت كانت شهادة الابتدائي، لا تتعدى حدود أسوار البيت العائلي والجيران، أصبحت اليوم تنافس احتفالات المتوسط والبكالوريا، وتقام لأجلها احتفالات صاخبة، لا يستوعبها حتى التلميذ الذي أقيمت لأجله، وهو ما يراه البعض إسرافا وتطورا دخيلا على الأسرة الجزائرية.

في الوقت الذي تجد فيه بعض الأمهات، فرصة لاستعادة ما قدمته من هدايا للآخرين، في مختلف المناسبات خاصة النجاحات الدراسية، لاسيما إذا كانت الأم تعلم أنها قدمت هدايا لمرات عديدة، غير أنها لا تملك مناسبة لدعوة المعنيين واستعادة هداياها، فتسارع لتنظيم حفلة تدعوهم لحضورها من أجل جلب الهدايا.

في الوقت الذي تحتفل بعض الأمهات تتويجا لما حققه ابنها، في ظل التكاليف التي تطلبتها دراسته، من خلال دروس الدعم التي كانت تدفعها، والوقت الذي كانت تقضيه إلى جانبه يوميا في البيت لتلقينه دروس الحفظ وحتى الفهم، متجاوزة حياتها الخاصة، بعدم استجابتها للدعوات العائلية أو المناسبات المهمة، وتهميش الاهتمام بحالتها الشخصية، حتى تجعله يحقق نتائج جيدة تجعله ينتقل إلى المتوسط بقاعدة معلوماتية أساسية، تسمح له بمواصلة الدراسة بطريقة عادية.

 

الفضاء الرقمي… بين قص واستباق الإثارة

بين الماضي والحاضر، تتراءى التكنولوجيا الرقمية مسيطرة على الأجواء، فبظهورها بدأت تتلاشى مظاهر الشوق لمعرفة الجديد وترقب الأخبار، التي كانت تستغل فترة من الزمن، لتصل إلى المهتم بها، لتصبح اليوم تظهر بكبسة زر.

فعوض الانتظار حتى العودة من المؤسسة التربوية لمعرفة نتيجة الامتحانات، أصبحت شاشة الهاتف الأقرب في تبليغ المعلومة، إذ أصبح الأهل والأقارب يعلمون النتيجة لحظة إعلانها من طرف الجهات الرسمية (المواقع الالكترونية الرسمية)، فلم يعد ذلك الشغف يملأ الأجواء، إلا من التلاميذ الذين يفضلون التنقل إلى مؤسساتهم التربوية، للاطلاع على النتائج وتقاسم الفرحة مع بعضهم ومؤازرة من لم ينجحوا، لتنطلق الزغاريد فور إعلان النتائج.

في وقت كانت النتائج في الماضي تعلن عبر المذياع بالنسبة لمن يملكونه، ليجتمع التلاميذ وأهلهم عند العائلة التي تملكه، في حين يبدأ الباقي في التسابق لاقتناء الجرائد اليومية والتي كانت لا تتعدى 4 جرائد قبل الانفتاح الإعلامي، من أجل الاطلاع على أسماء الناجحين الذين كانت تخصص لهم صفحات كاملة، خاصة شهادة البكالوريا، وهناك من مازال يحتفظ بها إلى اليوم، لاسيما وأن بعض الأقارب كانوا يهنؤون أبناءهم ومعارفهم عبر صفحات الوسائل الإعلامية (الجرائد والمجلات).

أما تلاميذ اليوم، فأصبحت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية، فضاءات لنشر صور التلاميذ الناجحين وتسجيل فيديوهات تهاني، لتجوب العالم ويطلع عليها الجميع دون استثناء.

ويبقى تحقيق الفوز والانتقال إلى المرحلة الدراسية القادمة أهم خطوة، تزينها الاحتفالات حسب رغبة وإمكانية كل عائلة، لأجل تحقيق هدف التلميذ مستقبلا بكل سهولة، لأن الشهادة العلمية هي التأشيرة الحقيقية نحو المستقبل.

أعدته: ميمي قلان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى