زيارة وزير الفلاحة تكشف انتقال الاستراتيجية الوطنية من توسيع المساحات إلى بناء منظومة متكاملة للإنتاج والتخزين والتحويل
في لحظة وطنية تتعاظم فيها رهانات الأمن الغذائي وتتصاعد فيها تحديات الأسواق الدولية، جاءت زيارة وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري إلى ولاية المنيعة لتؤكد أن الجنوب الجزائري لم يعد مجرد فضاء للتوسع الزراعي، بل أصبح محوراً هيكلياً ضمن الرؤية الاستراتيجية للدولة في مجال السيادة الغذائية.
الزيارة، التي تندرج ضمن متابعة تنفيذ البرامج الوطنية الكبرى، حملت دلالات تتجاوز بعدها الميداني، إذ عكست توجهاً واضحاً نحو إعادة رسم الخريطة الإنتاجية الوطنية انطلاقاً من ولايات الجنوب، عبر تثبيت البنية التحتية القاعدية وربطها مباشرة بديناميكية الإنتاج والتحويل.
بنية تخزين استراتيجية: تأمين الإنتاج قبل تسويقه
أبرز محطات الزيارة تمثلت في معاينة مشروع صومعة تخزين استراتيجية للحبوب على المحور الرابط بين المنيعة وغرداية، في خطوة تعكس انتقال السياسة الفلاحية من منطق دعم الإنتاج فقط إلى منطق التحكم في حلقات السلسلة كاملة.
فالتخزين لم يعد مجرد عملية تقنية، بل أداة سيادية لضبط السوق، حماية المحصول الوطني من التقلبات، وتعزيز القدرة على امتصاص فائض الإنتاج المتوقع مع اتساع المساحات المزروعة في الجنوب. كما أن إنشاء مراكز جوارية للتخزين الوسيطي يترجم خيار اللامركزية، من خلال تقريب الهياكل من المنتجين وتقليص كلفة النقل والخسائر، خاصة في ولاية تمتاز باتساع رقعتها الجغرافية.
الذرة والحبوب: تثبيت حلقة ما بعد الحصاد
وشملت الزيارة تفقد مراكز استقبال وتجفيف الذرة الحبية، سواء بالمركز الرئيسي بحاسي القارة أو بالمناطق الجنوبية باتجاه تيميمون، ما يعكس وعياً متزايداً بأهمية مرحلة ما بعد الحصاد في معادلة الأمن الغذائي.
فالتحكم في عمليات التجفيف والتخزين وفق المعايير التقنية المعتمدة يحدّ من الفاقد ويحافظ على الجودة، ويفتح المجال أمام إدماج أوسع للمنتج المحلي في الصناعات الغذائية والعلفية، وهو ما ينسجم مع هدف تقليص الواردات وتعزيز الإدماج الوطني في مختلف الشعب المرتبطة بالحبوب.
الجنوب كرافعة دائمة للسيادة الغذائية
تحمل هذه المشاريع بعداً استراتيجياً أعمق، يتمثل في إعادة تموقع ولايات الجنوب ضمن قلب المنظومة الإنتاجية الوطنية. فالتقلبات التي عرفتها سلاسل الإمداد العالمية خلال السنوات الأخيرة أبرزت ضرورة بناء قدرات تخزين وإنتاج داخلية قادرة على ضمان الاستقرار والمرونة.
وفي هذا السياق، تبرز المنيعة كمؤهل طبيعي للتحول إلى قطب حبوب واعد في الجنوب الجزائري، بفضل المساحات القابلة للاستصلاح وحركية الاستثمار الفلاحي المتنامية. ومع تسارع إنجاز الهياكل القاعدية، يتكرس تحول تدريجي من زراعة موسمية تقليدية إلى منظومة فلاحية متكاملة تتقاطع فيها الزراعة مع الصناعة والتحويل والتشغيل.
في المحصلة، تؤكد زيارة الوزير أن خيار تعزيز الجنوب لم يعد ظرفياً أو مرتبطاً بمرحلة معينة، بل أصبح توجهاً استراتيجياً دائماً، يضع الصحراء في صدارة معركة الاكتفاء الوطني، ويمنح المنيعة موقعاً متقدماً ضمن خريطة الإنتاج الزراعي للجزائر.
الهوصاوي لحسن



