الجهوي‎

المنيعة تعود إلى صدارة الرهان التنموي

الجنوب في قلب معادلة الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية

تعكس الزيارة التي قادت رئيس حزب جبهة المستقبل، الدكتور “فاتح بوطبيق”، إلى ولاية المنيعة، تحوّلًا متزايدًا في الخطاب السياسي نحو إعادة تموقع الجنوب الجزائري كرافعة مركزية للتنمية الوطنية، في سياق وطني يتسم بتعاظم الرهانات الاقتصادية والغذائية.

فالبرنامج الميداني للزيارة، الذي جمع بين المعاينة الاقتصادية واللقاء السياسي، حمل دلالات تتجاوز بعدها الحزبي، ليعكس قراءة أعمق للتحولات الجارية في نموذج التنمية، خاصة ما تعلق بتعزيز الاستثمار الفلاحي، توسيع قدرات التخزين الاستراتيجي، وربط التنمية المحلية بمفهوم السيادة الوطنية.

وفي هذا الإطار، تبرز معاينة مخزن الحبوب بحاسي الڤارة، كإشارة واضحة إلى الأهمية المتزايدة التي توليها الدولة لمسألة الأمن الغذائي، ليس فقط من زاوية الإنتاج، بل من حيث التحكم في سلاسل التخزين والتوزيع. فوجود شبكة تضم 11 مخزنا بالمنطقة يعكس توجها عمليا لتأمين المحاصيل الاستراتيجية، وتقليص هامش الهشاشة أمام التقلبات الاقتصادية والمناخية.

ويكتسي هذا التوجه بعدًا استراتيجيًا خاصًا في ولايات الجنوب، التي تشهد توسعًا ملحوظا في النشاط الفلاحي، مدفوعًا بالاستثمار في التقنيات الحديثة واستغلال الموارد الطبيعية بطريقة أكثر عقلانية. وهو ما تجسّد في الزيارة الميدانية لمزرعة نموذجية بالمنيعة، حيث عكست تنوع الأنشطة، من الزراعات الحقلية إلى البيوت البلاستيكية وتربية المائيات، تحوّل الفلاحة الصحراوية من تجربة ظرفية إلى خيار تنموي مستدام.

وفي هذا السياق، تطرح تجربة المنيعة نفسها كنموذج قابل للتعميم، يربط بين المبادرة الفردية والدعم العمومي، ويؤكد أن معادلة الإنتاج في البيئة الصحراوية، لم تعد رهينة العوامل الطبيعية وحدها، بل أصبحت مرتبطة أساسًا بحسن التسيير، الابتكار، والاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا.

وعلى المستوى السياسي، حمل خطاب رئيس جبهة المستقبل خلال التجمع الشعبي، مقاربة تقوم على الربط بين الاستقرار السياسي ونجاعة الخيارات الاقتصادية، حيث شدد على ضرورة تعزيز مصداقية المؤسسات، ومواصلة إصلاح المنظومة الانتخابية، باعتبارها مدخلا أساسيا لاستعادة ثقة المواطن، وضمان مشاركة أوسع في مسار البناء الوطني.

كما أدرج المتحدث المشاريع الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها منجم غار جبيلات، ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تقليص التبعية الاقتصادية، وتعزيز التصنيع الوطني، خاصة في ولايات الجنوب، بما يضمن خلق الثروة ومناصب الشغل، في إطار يحافظ على السيادة الوطنية، وينفتح على نقل التكنولوجيا وتكوين الكفاءات.

ويبرز في هذا السياق، حضور فئة الشباب كعنصر محوري في الخطاب، باعتبارها الفاعل الأساسي في إنجاح التحولات الاقتصادية والسياسية، حيث تم التأكيد على ضرورة إدماجها في العمل المنظم، وتمكينها من آليات المشاركة الفعلية داخل المؤسسات.

وتخلص قراءة هذه الزيارة إلى أن الرهان على الجنوب لم يعد خيارًا ظرفيًا، بل توجّها استراتيجيا يتقاطع فيه السياسي بالاقتصادي، ويضع الأمن الغذائي والاستثمار المنتج في صلب معادلة السيادة الوطنية، في مرحلة تبحث فيها الجزائر عن تثبيت نموذج تنموي أكثر توازنًا واستدامة.

الهوصاوي لحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى