
احتضنت دار أوبرا الجزائر، مساء الأربعاء الماضي، أشغال الطبعة الثالثة من منتدى “الجزائر 2030″، في حدث وطني بارز خُصّص لمناقشة آفاق الاقتصاد الجزائري في ظل التحولات العالمية المتسارعة، واستشراف ملامح نموذج تنموي جديد يقوم على الابتكار، اقتصاد المعرفة والتحول الرقمي.
وقد شكل هذا الموعد الاقتصادي الهام فضاء جامعا للنقاش والتحليل، جمع بين صناع القرار، والخبراء الاقتصاديين، المستثمرين ورواد الأعمال، حول الرهانات الكبرى التي ستحدّد مسار التنمية الوطنية خلال السنوات المقبلة.
وجاء تنظيم هذه الطبعة في سياق اقتصادي دولي يتسم بتحديات متزايدة، ما منح المنتدى أهمية خاصة كمنصة للتفكير الجماعي وتبادل الرؤى حول سبل تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل، لاسيما في قطاعات الصناعة، التكنولوجيا الحديثة، التصدير، الخدمات والزراعة.
وشهد المنتدى حضور ممثلي الهيئات الرسمية، إلى جانب نخبة من المختصين والفاعلين الاقتصاديين، حيث طرحت مقاربات علمية وعملية ترمي إلى بناء رؤية استراتيجية واضحة للجزائر في أفق 2030، مع التركيز على دور الرقمنة، الذكاء الاصطناعي، الجيل الخامس والأمن السيبراني، في دعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
واستُهلّت أشغال المنتدى بعرض تحليلي شامل تناول الواقع الاقتصادي الجزائري في سياقه الدولي، قبل أن تتواصل النقاشات عبر جلسات حوارية متخصصة، ناقشت قضايا محورية على غرار التوظيف، والصحة كرافعة للتنمية، وبناء البنى التحتية والشبكات القادرة على ربط الجزائر بالعولمة الاقتصادية.
وجرى هذا الحدث بحضور وزير اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغّرة، السيد “نور الدين واضح”، حيث شكل اللقاء فرصة جامعة لتفاعل ممثلي الهيئات الرسمية مع الخبراء الاقتصاديين والمستثمرين ورواد الأعمال، ضمن نقاشات ثرية لتبادل الرؤى واستكشاف الفرص الاقتصادية المستقبلية في أفق 2030، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
عرض افتتاحي برؤية دولية شاملة
استُهلّ البرنامج بعرض مميّز قدّمه منظم الحدث، السيد “نزيم سيني”، تناول فيه الواقع الاقتصادي في سياقه الدولي الشامل، ومكانة الدول النامية وما تتيحه من فرص مستقبلية، مسلطا الضوء على أبرز التحديات المنتظرة خلال السنوات القادمة. وقد استند العرض إلى دلالات وتوقعات وإحصائيات علمية صادرة عن مراكز دولية متخصصة، ما أضفى على النقاش طابعا علميا وتحليليا معمقا.
4 جلسات حوارية حول محركات النمو
كما شهد المنتدى تنظيم 4 جلسات حوارية بمشاركة نخبة من الخبراء والمختصين، ناقشت محاور استراتيجية تمثل ركائز التحول الاقتصادي في أفق 2030، وهي:
– الجيل الخامس، الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي كمحرّكات أساسية لنموذج النمو الجديد.
– التوظيف باعتباره قضية اقتصادية محورية للجزائر بحلول عام 2030.
– ترسيخ الصحة كقاطرة للتنمية الاقتصادية وتعزيز رأس المال البشري.
– بناء الشبكات والبنى التحتية لربط الجزائر بالعولمة وتعزيز تنافسيتها.
وفي هذا السياق، شارك التجمع الجزائري للناشطين في الرقميات بصفته شريكًا في الطبعة الثالثة لمنتدى “الجزائر 2030″، تأكيدًا على التزامه بدعم التحول الرقمي وتعزيز مكانة الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة في الجزائر.
ترسيخ الصحة كقاطرة للتنمية الاقتصادية في أفق 2030
في إطار النقاشات الاستراتيجية حول مستقبل التنمية، برزت جلسة “ترسيخ الصحة كقاطرة للتنمية الاقتصادية في أفق 2030” كإحدى المحطات الفكرية البارزة، حيث سلطت الضوء على الدور المحوري للقطاع الصحي في دعم النمو الاقتصادي المستدام، باعتباره استثمارًا طويل الأمد في الإنسان وفي قدرات الدول على تحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي.
وجاءت هذه الجلسة ضمن منتدى وطني/دولي عرف حضورًا نوعيًا لمسؤولين حكوميين، وخبراء في الصحة العمومية، وممثلي شركات عالمية رائدة في مجال الصناعات الدوائية، في تنظيم احترافي، ما عكس الطابع الاستراتيجي والعلمي للنقاش.
الصحة… من عبء مالي إلى محرك تنموي
أجمع المتدخلون على أن الصحة لم تعد تُنظر إليها كقطاع خدمي يثقل كاهل الميزانيات العمومية، بل كرافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية. فمجتمع سليم يعني يدًا عاملة أكثر إنتاجية، وتراجعًا في تكاليف العلاج، وارتفاعًا في مؤشرات الأداء الاقتصادي على المديين المتوسط والطويل. حيث أدارت الجلسة “لاليا بهيدج” باحترافية، إذ قادت النقاش بين متدخلين يمثلون زوايا مختلفة من المنظومة الصحية والاقتصادية.
من جهته، أكد السيد “ماتورين تشومي”، مدير منطقة إفريقيا بشركة Roche Pharmaceuticals، على أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مشددًا على أن الابتكار الدوائي ونقل التكنولوجيا يشكلان ركيزة أساسية لتحسين جودة الرعاية الصحية ودعم الاقتصادات الوطنية.
أما السيد “رضا لوكام”، رئيس قسم الميزانية وبرامج التنمية البشرية والصحة بوزارة المالية، فقد أبرز دور التمويل الذكي والمستدام للقطاع الصحي، مبيّنًا أن الاستثمار في الصحة هو استثمار مباشر في رأس المال البشري، ما ينعكس إيجابًا على مؤشرات النمو والتنمية.
بدوره، تطرق السيد “إدير محمد”، المختص في الصحة العمومية والخبير لدى وزارة الصحة، إلى ضرورة إصلاح المنظومة الصحية، من خلال تحسين الحوكمة، وتطوير الموارد البشرية، وتعزيز الوقاية، بما يتماشى مع أهداف التنمية في أفق 2030. وخلصت الجلسة إلى قناعة مشتركة مفادها أن تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة بحلول 2030 يمر حتمًا عبر منظومة صحية قوية، مرنة، ومبتكرة، قادرة على الاستجابة للتحديات الصحية والاقتصادية في آن واحد.
وقد أكدت مخرجات هذه الجلسات على أهمية اعتماد رؤية شاملة ومتكاملة لمواكبة التحولات الاقتصادية العالمية، وتسريع وتيرة التحول الرقمي، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال، بما يسهم في ترسيخ موقع الجزائر ضمن الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة في أفق 2030.
ج. ايمان



