الثـقــافــة

الذكرى الـ 65 لمظاهـرات 11 ديسـمبر  1960

تدفق شعبي أدهش المـستعـمر وأخلط حـساباتـه

   يحـيي ساكنة تلمسان على غـرار الشعب الجزائري، اليوم، الذكرى الــ 65 لمظاهـرات 11 ديسمبر 1960، التي شكّـلت منعرجا حاسما في تحديد مسار الثورة التحريرية المجـيـدة…الذكرى تعـود هذه السـنة بـشـعار “انـتـفـاضـة شـعـب” لتحمل معها المأساة الإنسانية التي حصدت أرواح عـديد الأبرياء المنـدّدين بجـبروت الاستعمار، عـقـب تـدفـق سيول المناضلين في المظاهرات السلمية المنددة بالسياسة الاستعمارية الفرنسية.

حيث أصـر من خلالها الجزائريون على مـدار 3 أسـابـيع تـقـريـبا، عـلى النضال وإيصال صوت الجزائر عـبر المحافل الدولية، لتأكيد مبدأ تقـرير المصير ضد سياسة ديغول الرامية إلى إبقاء الجزائر جزء من فرنسا في إطار فكرة “الجزائر جزائرية”، وموقف المعمرين الفرنسيين الذين حملوا فكرة “الجزائر فرنسية”، وهي الأفكار التي لم يرضخ لها الشعب الجزائري وتصدى لها لمظاهرات 11 ديسمبر 1960 التي تعـدّ منعـرجا حاسما في تاريخ حرب التحرير الوطنية، والتي سماها العديد من مجاهدي الثورة التحريرية بمفخرة الثورة المظفـرة.

نعـم هي ذكرى، لازالت راسخة في الأذهان ونضال يفوق عـقـدا من الزمن يشهد التاريخ لها إلى الأزل، بما أنها تضحيات شعب لم يرضخ لذل المستعمر، حيث ستبقى هذه الأحداث خالدة في الذاكرة الجزائرية، بما أنه مسيرة جهاد ونضال كان ليكون على لسان العـديد من المجاهدين الذين شهدوا لهذا التاريخ الحافل

وأمام هذه الذاكرة التي لا تغيب عن الجزائر وذاكرة الشعب الجزائري ككل، يـقـول المجاهـد الحاج عـبد الرحـمان قـطـبي من مواليد 1933 والذي التحق بالنضال سنة 1955، محطة 11 ديسمبر محطة تاريخية، لا يمكن لها أن تمحى من ذاكرته، وهي محطة تاريخية حافلة في تاريخ الجزائر، تزامنت مع زيارة الجنرال ديغول في 09 و10 من ذات الشهر، والتي استمرت يومي 11 و12 من ديسمبر، أين توجه إلى زيارة عدة ولايات ومن بينها مدينة عـين تموشنت وتلمسان والشلف ومديني شرشال وتيزي وزو، فصادفـته شعارات الجزائريين المنادية بالاستقلال ورفض الاستعمار بالبلاد.

تلمسان كغـيرها لـم تـسـتـثن من الـحـدث، وبرهنت من خلالها جـماهـيـرها للنظام الاستعماري الفرنسي وللرأي العام الدولي عن رفضها لكل الأطروحات الفرنسية التي استهدفت الالتفاف حول المشروع الوطني الذي تحددت أهدافه ووسائل تجسيده في بيان الفاتح نوفمبر 1954، ومن أبرزها استرجاع السيادة الوطنية كاملة بالكفاح المسلح، باعتباره الوسيلة المثلى المعـبرة عن تصميم الشعب وإرادته في التخلص من مظالم الاحتلال في أبعاده المتعدد.

وهذا ما جاء على لسان الدكتور “ح. محمد” باحث في تاريخ الثورة الجزائرية في تصريح خص به “الـبديل”، مؤكـدا في سياق ذلك بناء على أبحاثه التاريخية ومراجع البحث في الأرشيف، أن القـوات الفرنسية بوسائلها الجهنمية عجزت في إخضاع أو تركيع الشعب الجزائري وقيادته الثورية فسقطت الجمهورية الرابعة…

وجاءت الجمهورية الخامسة على رأسها الجنرال ديغول بعد أزمة الجيش الفرنسي، حيث اطلع على حقيقة لوضع العسكري وفعاليته الحربية منذ ما يزيد عن 5 سنوات من الحرب، وكانت نتائجها في صالح الشعب الجزائري وثورته…وتـيقـن تماما أن الحل العسكري لا يخرجه من نـفـقـه الطويل المظلم…لذا لا بد من اللجوء إلى وسائل أخرى، بعد أن فشلت كل وسائله السابقة في مراوغة وحيل: الجزائر الجزائرية، ومنها انطلقت مظاهرات 11 ديسمبر 1960.

مشادات عنيفة بين الجزائريين والفرنسيين بشارع فرنسا والساحة الكبرى لتلمسان

 كانت تلمســان المحـطّـة الـثانيـة للجنرال الفرنسي ديغـول في الــ 09 ديسمبر، والتي وصلها مساء قادما إليها من عـين تموشنت مباشرة، يضيف الدكتور “ح.محمد” نقلا في بحثه عن مراجع المجاهـد الأكاديمي الدكتور الباحث “الحاج محمد قـنطاري” رحمه الله ابن منطـقـة بني سنوس، أن “ديغول” وجد مدينة تلمسان آنذاك مكسوة بالثلوج منذ يومين، ورغم البرد القارس، تابع رحلته واتصاله ببعض الجزائريين الذين جاءت بهم القوات الفرنسية، ومصالح الأمن من القرى والمداشر والمحتشدات الفرنسية لاستقبال ديغول.

وبتصفية وتهديد (لصاص SAS) للعرب وبمعاقبة وقتل كل من يسيء للجنرال “ديغول” ولفرنسا والمعمرين، فكان المقابل بأمر وتنظيم وتوجيه القيادة الثورية لجبهة التحرير ولجيش التحرير، مفاجأة الجنرال “ديغول” بالأعلام الجزائرية والنشيد الوطني الجزائري، وتحيا الجزائر حرة مستقلة الجزائر جزائرية الوحدة الوطنية الشعبية والترابية الصحراء جزائرية يحيا جيش التحرير الوطني…لنا شخصيتنا وحضارتنا العربية إطلاق سراح “بن بلة” ورفاقه، تقرير المصير تحت مراقبة الأمم المتحدة، وزغاريد النساء تمجد الشهداء وتهتف بحياة الجزائر مستقلة.

 ورغم العدد الكبير من قوات الجيش والأمن التي كانت تحيط بالساحة والطرقات والبلدية، سأل أحدا الصحافيين ضابطا فرنسيا رجال الكومندوس عن وجود هذه القوة العسكرية في تلمسان، قال له :”تلمسان منطقة خطيرة بـالـفـلاقـة”، ورغم الأقلية الأوروبية القاطنة بتلمسان أثناء الثورة لأن أغلبها هاجرت إلى وهران.

 خرجت مجموعة من المتظاهرين الأوربيين تحت حماية قوات الأمن والجيش في مظاهرات عبر الشوارع الرئيسية منها: “شارع فرنسا Rue de France” والساحة الكبرى في اتجاه البلدية تنادي “بالجزائر الفرنسية ويسقط ديغول والصحراء فرنسية وتقسيم الجزائر”، وكانت مشادات عنيفة بين الجزائريين والفرنسيين تفوق فيها العرب، رغم ما تلقوه من رمي بالقنابل المسيلة للدموع، والرصاص، والقنابل اليدوية لتفريق المتظاهرين.

وعندما وصل الجنرال “ديغـول” إلى مقر بلدية تلمسان، حيث اجتمع مع كبار المشايخ والأعـيان وأثناء مراسم الاستقبال، قال رئيس البلدية للرئيس الفرنسي والوفد المرافق له وكان رئيس البلدية ضابطا متقاعدا في الجيش الفرنسي برتبة رائد واسمه “موحاس Mouhas” وبعد كلمات الترحيب والمجاملة: سيدي الرئيس: لقد قدمتم مع الأمطار وسيأتي معكم السلام”، قال الجنرال “ديغول”: “فمستقبل الجزائر بين أيديكم” يقصد بها تقرير المصير…للجزائر الجزائرية، ثم انزوى الجنرال ديغول للاجتماع مع 200 ضابط فرنسي للناحية العسكرية الثانية عشر، حيث استمع إلى عرض الوضع الحربي والعسكري بالجهة ولم يفتح الجنرال ديغول مجالا للحوار والمناقشة قائلا : “زيارتي هذه لأشياء أخرى وليست خاصة بالميدان العسكري كالزيارات السابقة لـ (بوبون)،”حيث تم اجتماع عام لجميع قيادة الأركان الفرنسية في مارس 1960 بالمركز العسكري “سـوانـي” نواحي مغنية على الحدود الجزائرية المغربية تدارس فيه الوضع العسكري والحربي في الجزائر.

 وكان قرار الجنرال ديغول تغيير سياسته للاتصال بالقاعـدة الشعبية لمعرفة رأيها في “تقرير المصير”، وقال القائد الأعلى العسكري للضباط بتلمسان “إن الرئيس الجنرال ديغـول لم يأت اليوم لطلب رأي العسكري بل لمعرفة قراراته…”، ليغادر الرئيس الفرنسي بعـدها تلمسان في اتجاه شرشال.

هذا، ولازالت شوارع عاصمة الزيانيين التي عاشت تلك الأحداث تشهد على ما حفلت به من معاني التحدي، من خلال مداهمة الجماهير الشعبية لمواقع القوات الاستعمارية التي حرصت على محاصرة كل الأحياء المفعمة بالحيوية النضالية، محاولة التحكم في مجرى الأحداث قبل استفحال مخاطرها، غـير أن إصرار أبناء الجزائر الأحرار، أثبت يومها فشل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الفرنسية وعـيون الملاحقة التي نصبتها عـبر كل منافـذ ومخارج ميادين الأحداث.

المجاهد “الحاج عبد الرحمان قطبي”…مظاهرات 11 ديسمبر أفشلت المخططات الاستعمارية

 أكد المجاهـد “الحاج عبد الرحمان قطبي” من مواليد 1933، والذي التحق بالنضال سنة 1955، أن مظاهرات 11 ديسمبر 1960 أفشلت مخططات الاستعمار الفرنسي الرامية إلى فصل الشعب الجزائري عن قيادة الثورة التحريرية.

 وقال إن قيادة جبهة التحرير الوطني أعطت الأوامر للمواطنين لتنظيم هذه المظاهرات ردا على مخططات الاستعمار الفرنسي، الذي كان يسعى إلى فصل الشعب عن قيادة الثورة، مضيفا أن الشعب الجزائري استجاب بقوة لهذا النداء بانطلاق المظاهرات من عين تموشنت يوم 09 ديسمبر، لتنتقل شرارتها إلى عدة مدن من التراب الوطني وصولا إلى العاصمة يوم 11 ديسمبر 1960.

 وبشأن الأهداف التي حقّقتها هذه المظاهرات التاريخية، يرى المجاهد الحاج قطبي أنها كانت رسالة من الشعب الجزائري إلى فرنسا، أبرزت مدى التفاف الشعب حول ثورته وإصراره على مواصلة الكفاح لانتزاع الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، خصوصا وأنها أعطت دفعا قويا للوفد الجزائري المفاوض من اجل حق تقرير المصير ووحدة التراب الوطني.

 وعلى الصعيد الدولي، يقول إن مظاهرات 11 ديسمبر، كان لها الصدى الكبير على الرأي العام الدولي، حيث أصبح صوت الثورة التحريرية يدوي في المحافل والمنابر الدولية، مبرزا أن منظمة الأمم المتحدة صادقت خلال تلك الفترة على اللائحة الأفرو- آسياوية، التي تقر حق الشعوب المستعمرة في تقرير مصـيـرها.

 ع. أميـر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى