
قبل أقل من ربع قرن، لم تكن كاميرا الهاتف أكثر من ميزة إضافية تلتقط صورًا محدودة الجودة، يصعب مقارنتها حتى بالكاميرات الرقمية البسيطة. أما اليوم، فأصبحت الهواتف الذكية قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو تقترب، في كثير من الظروف، من مستوى كاميرات احترافية تمتلك مستشعرات أكبر منها بعشرات المرات.
ولم يتحقق هذا التطور بفضل زيادة عدد العدسات أو رفع دقة المستشعرات وحدهما، بل كان نتيجة ثورة تقنية تُعرف باسم «التصوير الحاسوبي»، الذي جعل البرمجيات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي جزءً أساسيًا من عملية التقاط الصورة وتحسينها.
من كاميرا واحدة إلى منظومة تصوير متكاملة
اعتمدت الهواتف الأولى المزودة بكاميرات على عدسة واحدة ومستشعرات صغيرة، ما جعل الصور شديدة التأثر بضعف الإضاءة وصغر حجم وحدات التقاط الضوء.
ومع تطور الهواتف الذكية، بدأت الشركات إضافة أنظمة تصوير متعددة، تشمل العدسات الواسعة فائقة الاتساع، وعدسات التقريب البصري، إلى جانب مستشعرات العمق وعدسات تصوير الأجسام القريبة.
لكن تعدد العدسات لم يكن كافيًا لتجاوز القيود الفيزيائية التي تفرضها طبيعة الهاتف، إذ لا تسمح الأجهزة النحيفة بتركيب عدسات ضخمة أو مستشعرات بحجم تلك المستخدمة في الكاميرات الاحترافية. ولذلك، اتجهت الشركات إلى تطوير معالجات الصور وخوارزميات التصوير الحاسوبي، لتعويض محدودية المساحة والعتاد، بدل الاستمرار في زيادة أحجام مكونات الكاميرا.
لماذا لا تكفي العدسات؟
تعتمد الكاميرات الاحترافية على مستشعرات كبيرة وعدسات قادرة على جمع كميات أكبر من الضوء، ما يساعد على إنتاج صور واضحة وتفاصيل دقيقة، خاصة في ظروف الإضاءة الصعبة.
أما الهواتف الذكية، فتعتمد بدرجة كبيرة على معالجة البيانات بعد وصولها من المستشعر، وهنا يؤدي معالج إشارة الصورة دورًا محوريًا، إذ يعمل باعتباره العقل المسؤول عن تحويل البيانات الخام إلى صورة جاهزة للمشاهدة.
وينفذ هذا المعالج، عشرات العمليات خلال أجزاء من الثانية، تشمل تصحيح الألوان، تقليل التشويش، ضبط التعريض الضوئي، تحسين التركيز التلقائي ورفع مستوى التفاصيل. وقد أسهم تطور هذه المعالجات، في تمكين الهواتف من التقاط صور بدقة تصل إلى 200 ميغابكسل، وتسجيل مقاطع فيديو فائقة الدقة، إلى جانب تحقيق تقدم ملحوظ في التصوير الليلي.
ولادة التصوير الحاسوبي
أدى التقدم في البرمجيات والتعلم الآلي، إلى تحول الهواتف من أجهزة اتصال مزودة بكاميرات إلى منصات تصوير متكاملة، تعتمد جودة صورها على المعالجة الحسابية بقدر اعتمادها على العدسات والمستشعرات.
وتقوم الفكرة الأساسية للتصوير الحاسوبي، على التقاط أكثر من صورة للمشهد نفسه خلال لحظات، بدل الاعتماد على لقطة واحدة فقط. ويلتقط الهاتف مجموعة من الصور بإعدادات ومستويات تعريض مختلفة، ثم يحللها ويجمع أفضل أجزاء كل منها لإنتاج صورة نهائية أكثر وضوحًا وتوازنًا.
تقنية المدى الديناميكي الموسع غيّرت قواعد اللعبة
مثّل تطوير تقنية «المدى الديناميكي الموسع بلس» من جانب غوغل إحدى المحطات الأساسية في ثورة تصوير الهواتف.
وتعتمد التقنية على التقاط سلسلة من الصور المتتابعة، ثم محاذاتها ودمجها بدقة، بما يساعد على تقليل التشويش، وإظهار التفاصيل في المناطق شديدة السطوع والأجزاء المظلمة في الوقت نفسه.
وسمحت هذه الطريقة، بتحسين النطاق الديناميكي من دون الحاجة إلى فترات تعريض طويلة قد تؤدي إلى اهتزاز الصورة أو فقدان التفاصيل.
التصوير الليلي.. حين يتولى الهاتف المهمة
ظل التصوير في الإضاءة المنخفضة، واحدًا من أكبر التحديات التي تواجه كاميرات الهواتف، بسبب صغر المستشعر وعدم قدرته على جمع كمية كافية من الضوء. لكن التصوير متعدد الإطارات غيّر المعادلة، إذ بات الهاتف يلتقط عدة صور متتالية، ثم يدمجها مع تعويض اهتزاز اليد وإزالة التشويش بصورة رقمية.
وفي أوضاع التصوير الليلي، يجمع الهاتف بين لقطات بتعريضات أطول، ثم يستخدم الخوارزميات للحفاظ على التفاصيل ومنع تشوه الأجسام المتحركة. وبفضل ذلك، أصبحت الهواتف قادرة على إنتاج صور ليلية كان التقاطها، قبل سنوات قليلة، يتطلب كاميرا احترافية وحاملًا ثابتًا وخبرة في ضبط الإعدادات.
بن عشور خديجة



