
لم تعد التكنولوجيا الحيوية تكتفي بتسهيل تفاصيل الحياة اليومية، بل بدأت تقترب من أكثر مناطق الإنسان خصوصية؛ الدماغ. فالعقل، الذي ظل لقرون رمزًا للأفكار والمشاعر والوعي، حيث بات اليوم محط اهتمام متزايد من شركات التكنولوجيا الكبرى، التي ترى فيه مصدرًا جديدًا للبيانات شديدة الحساسية والقيمة.
يأتي هذا التحول، وسط تحذيرات متصاعدة، من أن يؤدي اندماج الإنسان بالآلة إلى إعادة تشكيل العلاقة بين البشر والتكنولوجيا، ليس بوصفها أدوات مساعدة فقط، بل كأنظمة قادرة على التأثير في السلوك والقرار وربما الوعي نفسه.
وسلط تقرير نشرته مجلة “بوليتيك” الأمريكية، الضوء على الطموحات المتنامية في وادي السيليكون لدمج الذكاء الاصطناعي بالدماغ البشري، عبر تقنيات الواجهات الدماغية الحاسوبية، المعروفة اختصارًا بـ BCI، وهي أجهزة أو شرائح قادرة على ربط الدماغ مباشرة بالحواسيب أو بأنظمة الذكاء الاصطناعي.
ووفق التقرير، فإن ما كان يُنظر إليه قبل سنوات باعتباره ضربًا من الخيال العلمي، بات يتحول إلى اتجاه استثماري وفكري داخل قطاع التكنولوجيا، حيث يروّج عدد من المستثمرين والمديرين التنفيذيين لفكرة “الإنسان المعزّز” باعتبارها المرحلة المقبلة من تطور البشر.
وخلال مؤتمر “TED 2026” في مدينة فانكوفر الكندية، تحدث المستثمر والرئيس التنفيذي السابق لشركة “فيكاريوس”، “دي سكوت فينيكس”، عن مستقبل زرع الشرائح الدماغية، معتبرًا أن الناس قد يقاومونها في البداية، كما قاوموا تقنيات أخرى من قبل، لكنهم قد يقبلون بها لاحقًا إذا منحتهم مزايا تنافسية في العمل والتعلم والتواصل.
لاقت هذه الرؤية، دعمًا من شخصيات مؤثرة في عالم التكنولوجيا، ترى أن الاندماج مع الذكاء الاصطناعي قد يكون وسيلة لحماية البشر من التفوق المتسارع للآلة، أو خطوة نحو مرحلة “ما بعد الإنسان”، حيث يصبح الجسد والعقل أكثر ارتباطًا بالأنظمة الرقمية.
ورغم أن تقنيات الواجهات الدماغية الحاسوبية لا تزال في مراحلها الأولى، فإن الاستثمارات المتدفقة نحوها تعكس جدية السباق. وتتركز التطبيقات الحالية لهذه التكنولوجيا أساسًا في المجال الطبي، خصوصًا لمساعدة المصابين بالشلل أو الاضطرابات العصبية على التحكم في الأجهزة أو التواصل عبر إشارات الدماغ. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، حالة “نولاند أربو”، أول شخص خضع لزراعة شريحة من شركة “نيورالينك” المملوكة لـ”إيلون ماسك“، وتمكن من التحكم في الحاسوب بعقله رغم إصابته بالشلل الرباعي.
لكن القلق الأكبر لا يرتبط فقط بالشرائح المزروعة داخل الدماغ، بل بالبيانات العصبية التي يمكن جمعها من أجهزة أقل تعقيدًا، مثل الساعات الذكية، ونظارات الواقع المعزز، وأجهزة تتبع النوم والتوتر. فهذه الأجهزة، قادرة على التقاط مؤشرات مرتبطة بالحالة النفسية والجسدية والسلوكية للمستخدم، ما يجعلها مدخلًا واسعًا إلى بيانات شديدة الخصوصية.
يحذر خبراء من أن بيانات الدماغ قد تصبح المورد الأكثر قيمة في الاقتصاد الرقمي المقبل. فإذا كانت البيانات تُوصف منذ سنوات بأنها “نفط القرن الحادي والعشرين”، فإن البيانات العصبية قد تكون “النفط الخام” الأكثر حساسية، لأنها لا تكشف فقط ما يفعله الإنسان، بل قد تقترب من كشف ما يشعر به ويفكر فيه.
وأمام هذا الواقع، بدأت بعض الولايات الأمريكية، من بينها كولورادو وكاليفورنيا وكونيتيكت ومونتانا، تعديل قوانين الخصوصية لتشمل حماية البيانات الصادرة عن الجهاز العصبي. كما طُرحت مبادرات تشريعية على المستوى الفيدرالي لدراسة كيفية تنظيم هذا النوع الجديد من البيانات.
ويرى المدافعون عن “الحقوق العصبية”، أن حماية بيانات الدماغ يجب أن تصبح أولوية قانونية وأخلاقية، لأنها تمس أعمق مستويات الخصوصية الفردية. فإساءة استخدام هذه البيانات قد تفتح الباب أمام التأثير في السلوك، أو استغلال الانفعالات، أو توجيه قرارات المستخدمين دون علمهم.
خديجة بن عشور



