
يتجه الهاتف المحمول تدريجيًا نحو مرحلة جديدة، قد تغيّر مفهوم “الهاتف الذكي” الذي عرفه العالم منذ إطلاق آيفون عام 2007. فمع صعود الذكاء الاصطناعي الوكيل، تقترب الصناعة من نموذج أكثر استقلالية، يمكن وصفه بـ“الهاتف الوكيل”، وهو جهاز لا ينتظر الأوامر فحسب، بل يفهم السياق، يخطط، ويتخذ خطوات عملية نيابة عن المستخدم.
ويختلف هذا المفهوم عن المساعدات الرقمية التقليدية، مثل “سيري” و“مساعد غوغل”، التي ظلت لسنوات تقتصر على تنفيذ أوامر مباشرة، كضبط المنبه أو الإجابة عن سؤال سريع. أما الهاتف الوكيل، فيطمح إلى أداء مهام مركبة تتطلب التنقل بين عدة خدمات وتطبيقات، مثل ترتيب رحلة سفر كاملة، أو إدارة جدول يومي، أو متابعة البريد والمواعيد والمدفوعات من خلال أمر واحد.
في هذا النموذج الجديد، لن يكون المستخدم مضطرًا إلى فتح تطبيق السفر، ثم البريد الإلكتروني، ثم تطبيق البنك، ثم التقويم. فالنظام الذكي قد يتولى هذه السلسلة كاملة، بدء من فهم نية المستخدم، مرورًا بمقارنة الخيارات، وصولًا إلى تنفيذ القرار النهائي ضمن حدود الصلاحيات الممنوحة له.
ويعني ذلك، أن مركز التجربة الرقمية قد ينتقل من “التطبيقات” إلى “النوايا”. فبدل أن يبحث المستخدم عن التطبيق المناسب لكل مهمة، سيكتفي بإخبار الهاتف بما يريد، ليقوم النظام بالبحث والتنفيذ في الخلفية. وهنا يتراجع دور الواجهات التقليدية المزدحمة بالأيقونات، لصالح واجهات أبسط تعتمد على المحادثة، الأوامر الصوتية، أو حتى الإيماءات.
هذا التحول، يفرض بدوره تغييرات عميقة في نظام التشغيل نفسه. فالهاتف الوكيل يحتاج إلى نظام قادر على الربط بين التطبيقات، وفهم البيانات الشخصية، والتعامل مع المهام المتعددة بطريقة متواصلة. كما يحتاج إلى معالجة ذكية داخل الجهاز، بدل الاعتماد الكامل على السحابة، حتى تكون الاستجابة أسرع وتبقى بعض البيانات الحساسة داخل الهاتف.
ومن أجل ذلك، تتسابق شركات صناعة الرقائق على تطوير معالجات أكثر قدرة على تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محليًا. فالمنافسة لم تعد محصورة في جودة الكاميرا أو سرعة الشاشة أو حجم البطارية، بل أصبحت تدور حول قدرة الهاتف على الفهم والتحليل والتنفيذ الذكي دون انتظار تدخل المستخدم في كل خطوة.
خديجة بن عشور



