
في إطار الجهود الرامية إلى ضمان إنتاج فلاحي مستدام، تمكن أساتذة وباحثون من جامعة تيارت، وبالاعتماد على دراسات علمية دقيقة، من إنتاج بذور زراعية متكيفة مع طبيعة المنطقة، لاسيما المناطق العلفية، بما يستجيب للخصوصيات المناخية والتربوية المحلية.
ويعكس هذا الإنجاز، انخراط الجامعة الفعلي في مسعى مرافقة القطاع الفلاحي، من خلال تسخير البحث العلمي لخدمة التنمية المحلية وتحقيق الأمن الغذائي، الذي يرتكز أساسًا على توفير بذور آمنة وذات مردودية عالية، وقادرة على مقاومة التغيرات المناخية.
ويُنتظر أن يُسهم هذا المشروع في دعم الفلاحين، تقليص التبعية للبذور المستوردة، وتعزيز الإنتاج الوطني، ما يؤكد الدور المحوري للجامعة كمحرك للتنمية ورافد أساسي للاقتصاد الوطني.
وأوضح الأستاذ الباحث أن هذه الدراسات، التي اعتمدت على تجارب مخبرية وميدانية، مكّنت من تطوير صنفين من الذرة، يتمثل الأول في الذرة الصفراء، بينما يتعلق الصنف الثاني بـ الذرة الحمراء، حيث أظهرت هذه السلالات قدرة معتبرة على المقاومة وتحقيق إنتاج مستقر رغم صعوبة الظروف المناخية.
كما شملت الأبحاث نوعًا آخر من النباتات العلفية، والمتمثل في اللبلاب، الذي يتميز بقدرته الكبيرة على مقاومة الجفاف، ما يجعله خيارًا واعدًا خاصة في المناطق التي تعرف شحًا في الموارد المائية. وتكمن أهمية هذا النبات في قيمته الغذائية العالية، إذ يحتوي على نسبة بروتينات تصل إلى 35 بالمائة، وهو ما يجعله عنصرًا أساسيًا في تغذية المواشي وتحسين مردودية الثروة الحيوانية.
وأكد المتحدث أن هذه النتائج تعكس الدور المحوري للجامعة في مرافقة الفلاحين والمهنيين، من خلال البحث العلمي التطبيقي الذي يستجيب لخصوصيات كل منطقة، ويساهم في تقليص التبعية للاستيراد وتعزيز السيادة الغذائية.
مبادرات علمية لتحقيق تنمية فلاحية مستدامة
وتأتي هذه المبادرات العلمية، لتؤكد أن الاستثمار في البحث والابتكار الزراعي، يُعد ركيزة أساسية لتحقيق تنمية فلاحية مستدامة، قادرة على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية الراهنة.
أكد مدير جامعة تيارت، أن سنوات من البحث العلمي المتواصل على مستوى الجامعة أثمرت نتائج هامة في مجال تطوير أصناف جديدة من النباتات، في خطوة تعكس الدور الريادي للمؤسسة الجامعية في دعم القطاع الفلاحي وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.
وأوضح مدير الجامعة، أن فرق البحث تمكنت من تطوير أصناف جديدة من الذرة والذرة العلفية، إلى جانب نبتة اللبلاب، وهي أصناف جزائرية خالصة بنسبة 100 بالمائة، تم استنباطها اعتمادًا على دراسات علمية وتجارب ميدانية، تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المناخية والبيئية للمنطقة.
وأشار المتحدث، إلى أن هذه الأصناف تتميز بقدرتها العالية على التأقلم مع الشروط المحلية، خاصة ما تعلق بمقاومة الجفاف وتحقيق مردودية معتبرة، وهو ما يجعلها بديلاً فعالاً للبذور المستوردة، ويساهم في تقليص التبعية للخارج ودعم الفلاح الوطني.
وأضاف مدير الجامعة، أن التحدي المطروح حاليًا يتمثل في تكثيف إنتاج هذه البذور وتعميمها على نطاق أوسع، من خلال تعزيز الشراكة بين الجامعة والقطاع الفلاحي، وتمكين الفلاحين من الاستفادة من نتائج البحث العلمي الميداني.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن جامعة تيارت ستواصل مرافقة الجهود الوطنية الرامية إلى تحقيق تنمية فلاحية مستدامة، عبر تثمين البحث العلمي وربطه بحاجيات الواقع الاقتصادي والاجتماعي، بما يخدم الأمن الغذائي للبلاد.يُعد استنباط أصناف نباتية جديدة من بين أهم الرهانات الاستراتيجية التي تعوّل عليها الدول لمواجهة التحديات المرتبطة بتغير المناخ، شح الموارد المائية، وتقلبات الأسواق العالمية. وفي هذا الإطار، يشكل البحث العلمي الزراعي ركيزة أساسية لتحسين الإنتاج الفلاحي وضمان استدامته.
وقد أظهرت التجارب العلمية، أن تطوير أصناف قادرة على التأقلم مع الشروط المحلية، سواء من حيث مقاومة الجفاف أو الأمراض أو تحقيق مردودية أفضل، من شأنه أن ينعكس إيجابًا على أداء القطاع الفلاحي، ويمنح الفلاح أدوات فعالة لرفع الإنتاج وتقليص التكاليف. كما أن هذه الأصناف تساهم في تثمين الأراضي الفلاحية وتحسين نوعية المحاصيل.
ولا يقتصر دور استنباط الأصناف الجديدة على الجانب الإنتاجي فحسب، بل يتعداه إلى بعد استراتيجي وسيادي، حيث تُعد استدامة الإنتاج كنزًا سياديًا يوفر حماية اقتصادية حقيقية، ويحد من التبعية للاستيراد، خاصة في مجال البذور الذي يشكل الحلقة الأولى في السلسلة الغذائية.
ويجمع المختصون على أن الأمن الغذائي يعتمد أساسًا على أمن البذور، باعتبارها الضمان الحقيقي لاستمرارية الإنتاج والتحكم في نوعيته وكميته.فامتلاك بذور وطنية مطورة محليًا يعني امتلاك القرار الفلاحي، وضمان استقرار التموين الغذائي على المدى المتوسط والبعيد.
إن الاستثمار في البحث العلمي واستنباط أصناف جديدة ملائمة للبيئة المحلية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة ملحة تفرضها التحولات المناخية والاقتصادية الراهنة. فتعزيز أمن البذور هو الخطوة الأولى نحو تحقيق أمن غذائي مستدام، وحماية الاقتصاد الوطني، وترسيخ السيادة الغذائية كأحد أعمدة التنمية الشاملة.
ج.غزالي



