تكنولوجيا

من يتحكم في الذاكرة الرقمية بعد الغياب؟

أثار تعامل شركة “أوبن إيه آي” مع سجلات محادثات أحد مستخدمي “شات جي بي تي” المتوفين، موجة جدل واسعة بعد رفضها تسليم المحادثات الكاملة المرتبطة بقضية قتل هزت الرأي العام الأمربكي، حيث أقدم شتاين إريك سولبيرغ على قتل والدته المسنة عقب تواصله المطول مع النظام الذكي.

 

وترى أسرة الضحية أن الشركة تعمدت إخفاء السجلات الأخيرة التي سبقت الجريمة، معتبرة أن هذا الإخفاء يهدف إلى حماية النموذج من المساءلة القانونية في الدعوى المرفوعة أمام المحكمة العليا في ولاية كاليفورنيا.

واعتمدت الأسرة في دعم موقفها على مقاطع مصورة ومنشورات كان الجاني قد نشرها سابقا على حساباته الرقمية أظهرت أجزاء من تفاعلاته مع “شات جي بي تي”.وبحسب ما كُشف فإن تلك المحادثات ساهمت في ترسيخ أوهام العظمة لدى الجاني وربط والدته بدور عدائي داخل تصوراته الذهنية، وهو ما اعتبرته الأسرة عاملا محفزا للجريمة.وأكد “إريك سولبيرغ” حفيد الضحية أن الشركة أخفت عمدا سجلات الأيام الأخيرة قبل الحادثة رغم قيامها سابقا بالكشف عن محادثات مشابهة في قضية انتحار مراهق، وهو ما يعكس ازدواجية واضحة في التعامل مع الملفات الحساسة.

ورفضت “أوبن إيه آي” الرد على الاتهامات أو تقديم تفسير رسمي لسبب حجب السجلات في هذه القضية تحديدا، مكتفية بالصمت رغم تصاعد الانتقادات الحقوقية والإعلامية.

 

ثغرات قانونية تفتح باب القلق

تكشف شروط استخدام “شات جي بي تي” عن فراغ قانوني واضح، إذ لا تتضمن أي بند يحدد مصير سجلات المحادثات بعد وفاة المستخدم وتكتفي بالإشارة إلى ضرورة حذفها يدويا.

وبحسب هذه الشروط، فإن عدم قيام المستخدم بالحذف يعني بقاء السجلات محفوظة لدى الشركة إلى أجل غير مسمى، وهو ما يمنحها حق السيطرة الكاملة عليها.ويثير هذا الواقع مخاوف جدية تتعلق بالخصوصية، خاصة أن المستخدمين غالبا ما يشاركون تفاصيل شخصية ومشاعر عميقة اعتقادا بأن تلك المحادثات خاصة وغير قابلة للوصول من أطراف أخرى.

وتعزز ممارسات الشركة هذه المخاوف، حيث يُنظر إلى تعاملها الانتقائي مع السجلات كدليل على امتلاكها السلطة الكاملة في إظهار ما يخدمها وإخفاء ما قد يورطها قانونيا.وأشار تقرير تقني إلى أن هذا السلوك يقوض التحقيقات في القضايا التي يُتهم فيها النظام بالتأثير على سلوك المستخدمين في قضايا خطيرة مثل القتل أو الانتحار.

وفي المقابل، تتيح شركات تقنية أخرى آليات قانونية واضحة لاختيار وريث رقمي للبيانات وهو ما يبرز الفجوة التنظيمية في سياسات أوبن إيه آي.وأفاد التقرير أن الجاني وقع اتفاقية خصوصية تمنع ورثته من الاطلاع على سجلاته وهو ما استندت إليه الشركة لرفض الطلبات القانونية.ورأت الدعوى المقدمة من الأسرة أن هذا الموقف يمثل خللا قانونيا فادحا لأن المحادثات تعد ملكية شخصية تنتقل للورثة بعد الوفاة.

 

عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى معالج نفسي

أصبح “شات جي بي تي” يُستخدم بديلا عن المعالجين النفسيين في عدد متزايد من الدول، حيث أشار تقرير جامعي إلى أن ما يقارب نصف حالات التشخيص الذاتي تعتمد عليه بدلا من المختصين.ويتزامن هذا الانتشار مع تصريحات سابقة للرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي” عبّر فيها عن قلقه من الاعتماد المتزايد على النظام في العلاج النفسي.

وتكمن الخطورة في أن هذه المحادثات النفسية شديدة الحساسية تبقى محفوظة لدى الشركة دون وصاية قانونية واضحة، أو موافقة صريحة من المستخدمين على مصيرها بعد الوفاة.ويُرجح أن تُستخدم هذه البيانات لاحقا في تدريب نماذج مستقبلية، مما يثير مخاوف إضافية بشأن انتهاك الخصوصية وتحويل الألم الإنساني إلى مادة تقنية.

ويرى مختصون في الحقوق الرقمية أن الشركة كانت قادرة على الاستعداد لمثل هذه السيناريوهات كما فعلت منصات تقنية أخرى، وضعت حلولا قانونية واضحة لإدارة بيانات المتوفين.ويؤكد هذا الجدل أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل بات فاعلا مؤثرا في الحياة النفسية والاجتماعية للإنسان مما يستدعي أطرًا أخلاقية وقانونية أكثر صرامة.

ياقوت زهرة القدس بن عبد الله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى