الجهوي‎

 معاناة الفلاحين بين إهمال المواطنين وسلطة “الترند”

حين تتحول الحقول إلى منصات تصوير

في السنوات الأخيرة، ومع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، برزت سلوكيات جديدة في المجتمع، بعضها إيجابي يعكس الوعي والتضامن، وبعضها الآخر سلبي يهدد مصالح فئات مهنية كاملة. ومن بين هذه الظواهر التي أثارت جدلاً واسعاً في ولاية تيارت وعديد مناطق الجزائر، قيام بعض المواطنين باقتحام الحقول الزراعية، وافتراش الزرع بدل المساحات المخصصة للراحة، والتقاط الصور وسط المحاصيل، في مشهد يبدو جميلا للوهلة الأولى، لكنه يحمل في طياته أضرارا كبيرة للفلاحين.

الفلاح، الذي يقضي أشهراً طويلة في الحرث والبذر والسقي، يجد نفسه في لحظة أمام خسائر غير متوقعة، بسبب تصرفات غير مسؤولة. فالدخول العشوائي إلى الحقول، يؤدي إلى إتلاف المزروعات، خاصة في مراحل نموها الحساسة، ما ينعكس سلباً على المردود الزراعي، ويزيد من الأعباء المالية على أصحاب المزارع الذين يواجهون أصلاً تحديات متعددة، من تقلبات المناخ إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج.

ورغم أن الكثير من هؤلاء الزوار لا يقصدون الإضرار، بل يبحثون فقط عن صور جميلة أو لحظات ترفيه، إلا أن غياب الوعي يحول هذه النزهات إلى مصدر قلق حقيقي للفلاحين. فالأرض بالنسبة لهم ليست فضاءً للترفيه، بل مورد رزق ونتيجة تعب وجهد متواصل.

في المقابل، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حملات توعوية لافتة، أطلقها ناشطون وفلاحون، تدعو إلى احترام الحقول وعدم التعدي على الممتلكات الخاصة. وقد حققت هذه المبادرات نجاحاً ملحوظاً، حيث ساهمت في تغيير سلوك الكثيرين، من خلال نشر صور وفيديوهات توضح حجم الأضرار التي يتسبب فيها هذا التصرف، مرفقة برسائل توعوية بسيطة لكنها مؤثرة.

هذه الحملات، تعكس قوة الإعلام الرقمي في توجيه السلوك المجتمعي، حين يُستخدم بشكل إيجابي ومسؤول. لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلاً حول دور الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام التقليدية، في ترسيخ ثقافة احترام الملكية الخاصة والوعي البيئي لدى الأفراد.

 

الفضاءات الخضراء تتحول إلى متنفس جماعي

ومن جانب آخر، ومع تزايد ضغوط الحياة اليومية داخل المدن، يلجأ المواطنون إلى البحث عن فضاءات طبيعية تتيح لهم الاسترخاء وكسر روتين الضجيج والإسمنت. وفي هذا السياق، عرفت المناطق الخضراء القريبة من الغابات، على غرار غابة أولاد بوردو ومنطقة قرطوفة بولاية تيارت، إقبالاً متزايداً من العائلات التي وجدت فيها متنفسا طبيعيا ومجانيا للترفيه، خاصة خلال هذا العام الذي تميز بتساقط معتبر للأمطار.

وقد أضفت الأمطار الأخيرة حلة خضراء زاهية على الحقول والغابات، حيث اكتست الأرض غطاءً نباتياً كثيفاً، وتحولت المساحات الطبيعية إلى لوحات خلابة جذبت الزوار من مختلف الأعمار. كما شهدت الشلالات تدفقاً معتبراً للمياه، ما زاد من جمالية المكان وجعله وجهة مفضلة للعائلات، خاصة تلك الباحثة عن قضاء أوقات ممتعة رفقة أطفالها بعيداً عن صخب المدينة.

غير أن هذا الإقبال المكثف، ورغم ما يحمله من أبعاد اجتماعية إيجابية، يطرح في المقابل تحديات بيئية وتنظيمية حقيقية. إذ تحولت بعض هذه الفضاءات إلى ما يشبه المنتزهات العشوائية، في ظل غياب التأطير والتجهيزات الأساسية، ما أدى إلى ظهور سلوكيات غير مسؤولة، كترك النفايات، وإتلاف الغطاء النباتي، واستغلال الأراضي بشكل غير منظم.

ويرى متابعون، أن هذا الوضع يعكس حاجة ملحة إلى تهيئة هذه المناطق بشكل مدروس، يضمن الاستفادة منها دون الإضرار بها، من خلال إنشاء فضاءات مخصصة للنزهة، وتوفير حاويات للنفايات، ولوحات إرشادية توعوية، إضافة إلى تعزيز دور المجتمع المدني في نشر ثقافة احترام البيئة. إن تحويل هذه الفضاءات إلى متنفس آمن ومنظم لا يتطلب فقط تدخل السلطات، بل يبدأ من سلوك الفرد، الذي عليه أن يدرك أن الطبيعة ليست ملكاً مؤقتاً للترفيه، بل أمانة يجب صونها.

وفي ظل هذا المشهد، يبقى الأمل معقوداً على وعي جماعي متجدد، يوازن بين حق المواطن في الراحة والاستجمام، وواجبه في حماية البيئة، حتى تظل هذه المساحات الخضراء عنواناً للجمال لا ضحية للإهمال.

ج.غزالي 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى