تكنولوجيا

كيف غيّر الذكاء الاصطناعي وجه الجامعة الجزائرية؟

بين مطرقة التطور وسندان الاتكالية

شكلت تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأوساط التعليمية، منذ ظهورها في العقد الأخير، تغيرات هائلة في أنماط التعلم، حيث بدأ الطلاب في استخدامها كأدوات أساسية لتحسين الأداء الأكاديمي، وقد أسست هذه البنى الرقمية تموضعا جديدا في الفضاء الجامعي على وجه الخصوص، حيث استبدل فيها الطالب طرق التحصيل التقليدية من الوثائق والكتب إلى التطبيقات القائمة على النمذجة الذكية، في مشهد جديد انحصرت فيه الأساليب القديمة وفرضت فيه الرقمنة حضورها على السطح.

 

أداة تسهيل أم فخ للكسل المعرفي

في هذا التوجه، أضحت أدوات الذكاء الاصطناعي مكوّنًا أساسيًا في تفاصيل الحياة الجامعية لدى طلبة الجزائر، فمن إعداد الواجبات وكتابة البحوث العلمية، إلى المراجعة والتحضير للامتحانات، يعتمد عدد متزايد من الطلبة على هذه التقنيات بشكل روتيني ومنهجي.

وقد أفادت شهادات لعدة طلبة جامعيين من وهران، أن اللجوء إلى منصات مثل (شات جي بي تي، جوجل جيميناي وكلود) وغيرها، لم يعد خيارًا ثانويًا، بل تحوّل إلى ممارسة يومية شبه ضرورية. إذ يرى الطلبة أن هذه الأدوات توفر دعماً سريعًا وفعّالًا عند الحاجة، سواء لفهم الدروس أو تطوير المستوى الأكاديمي.

وبرزت هذه الظاهرة مع انتشار تقنيات الدردشة بالذكاء الاصطناعي أواخر عام 2022، حيث لاقت إقبالًا واسعًا من الطلبة، رافقه قدر محدود من الحذر تجاه تداعياتها الأكاديمية. وقد بدى هذا التفاعل أكثر وضوحًا لدى طلبة نظام (LMD)، في مرحلة كانت فيها الساحة الجامعية تشهد نقاشًا واسعًا حول إصلاح هذا النظام، عقب تسجيل تراجع ملحوظ في مستوى التحصيل مقارنة بالنظام الكلاسيكي، وفق ما خلصت إليه لجان متخصصة تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

وفي خضم هذا السياق الإصلاحي، عبّر عدد من الأساتذة عن قلقهم إزاء تنامي الاعتماد على هذه الأدوات، من بينهم بروفيسور الإعلام والاتصال “محمد برقان” الذي وصف الظاهرة، في تصريح لجريدة “البديل”، بأنها تعزز “الاتكالية الأكاديمية”، مشيرًا إلى أن بعض الطلبة وجدوا فيها وسيلة سهلة لتجاوز متطلبات الجهد العلمي الحقيقي. وأضاف “لاحظنا في حصص الأعمال الموجهة طباعة بحوث علمية جاهزة لا نلمس منها ولا 1 بالمائة من جهد الطالب مقارنة بما ألفناه سابقا في العهد الكلاسيكي في الجامعة”.

كنتيجة لهذه التحولات، سُجّل تراجع ملحوظ في مستوى التفكير النقدي لدى بعض الطلبة، إذ باتوا يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي في الإجابة عن الأسئلة الفجائية داخل المدرجات، ما عزز حالة من الجمود الفكري والكسل المعرفي. وقد امتد هذا الاستخدام إلى إنجاز البحوث ومذكرات التخرج، حيث يلجأ بعضهم إلى هذه التقنيات لإنجاز أجزاء كبيرة من أعمالهم الأكاديمية، الأمر الذي انعكس على تراجع مهارات الكتابة والتحرير الأساسية لديهم.

 

بين الجيل السابق والجيل الحالي… ما الذي تغيّر؟

يلاحظ أساتذة اليوم، وجود فروق واضحة في أنماط التحصيل بين الجيل الحالي وجيل القرن الماضي، تعكسها طبيعة مصادر المعرفة وأساليب التعلم. فبينما كان الطلبة سابقًا يعتمدون على المطالعة المنتظمة والمتعمقة في الكتب والموسوعات، ما أسهم في بناء رصيد معرفي متين، وتنمية قدراتهم على التفكير المنطقي والحس النقدي، أصبح طلبة اليوم بصبغة التكنولوجيات وتأثروا بها تأثرا عميقا.

بحسب ما أوضحه البروفيسور الجامعي “بن جيلالي محمد عدلان”، في تصريح خصّ به الجريدة، أن سوء توظيف الطلبة لتقنيات الذكاء الاصطناعي أسهم في إضعاف ما وصفه بـ “الشخصية العلمية” و”الكاريزما الأكاديمية”، نتيجة الاعتماد المفرط على هذه الأدوات بدل تنمية القدرات الذاتية.

وأضاف أن التحول نحو التعلم الرقمي غير ملامح الممارسة الأكاديمية، حيث باتت التكنولوجيا تشكّل البصمة المعرفية للجيل الحالي، موضحا “هذا الجيل أصبح رقميًا لا يؤمن بالوثيقة، ولم يعد يطيق حياته خارج فضاء التقنية”، وهو ما انعكس بحسب تقديره على مستوى التوازن الفكري مقارنة بالأجيال السابقة التي كانت أكثر رزانة وعمقًا في التحصيل.

ورغم ما توفره تقنيات الذكاء الاصطناعي من سرعة في الوصول إلى المعلومات مقارنة بالأجيال السابقة، وهي ميزة لا يمكن إنكارها. فإنها أسهمت في المقابل، في تعزيز نزعة الاتكالية لدى بعض الطلبة، وهو ما حذر منه الأستاذ محمد برقان بقوله “الطلبة يطلبون من الذكاء الاصطناعي القيام بكل شيء، من الإجابة عن الأسئلة إلى إعداد الخطط، ويكتفون بما يتيحه من معلومات سريعة ومختصرة للتقليل من الجهود الفردية، وهو أمر خطير للغاية”.

وهذا بدوره ما انعكس سلبًا على تنمية مهارات الطلبة النقدية. إذ لا يتحرى البعض دقة ما يُقدَّم لهم، رغم أن بعض الإجابات قد تكون خاطئة. وتُعرف هذه الظاهرة بما يُصطلح عليه بـ “هلوسة الذكاء الاصطناعي”، حيث يقدم النظام معلومات غير صحيحة تبدو مقنعة للقارئ، إلا أنها مغالطة وقد تزداد هذه الأخطاء مع تطور النماذج.

فبحسب تقرير تقني صادر عن أوبن ايه أي، لتقييم أحدث نماذج اللغة الكبيرة LLMs، أنتجت معلومات غير دقيقة بنسبة تصل إلى 48 بالمائة في بعض المهام، مقارنة بـ 16 بالمائة فقط في نماذج أقدم، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول موثوقية هذه التقنيات خاصة في الاستخدامات المعرفية المهمة.

وفي هذا السياق، يبرز فارق واضح في جودة الإجابات بين الطلبة الذين يعتمدون على تقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرهم، خاصة في الأعمال التطبيقية والموجّهة. إذ يميل بعض المستخدمين إلى تقديم إجابات جاهزة ومختصرة، وأحيانًا بصياغة تتجاوز مستواهم المعهود، ما يطرح إشكالًا في تقييم أدائهم الحقيقي. وفي بعض الحالات، يجد الأستاذ نفسه يصحح مخرجات الذكاء الاصطناعي بدلًا من أعمال الطلبة، رغم أنها قد تتضمن أخطاء.

ورغم هذه التحفظات، يشير أساتذة إلى أن فئة من الطلبة تحسن توظيف مخرجات الذكاء الاصطناعي بشكل فعّال، إذ أتاحت هذه التقنيات للجيل الحالي مزايا واضحة، من بينها سرعة الاستيعاب والقدرة على معالجة الأفكار في وقت وجيز، والمساعدة في اثراء الملكة الفكرية، إلى جانب اختزال الجهد والوقت في إنجاز المهام الأكاديمية.

كما أسهمت في توسيع نطاق الاطلاع وإتاحة المعرفة بشكل أكثر شمولية، وهو ما عبّر عنه البروفيسور “محمد عدلان” بقوله، إن هذا الجيل “يملك وعيًا معرفيًا” متسعًا، يرتبط بقدرته على الوصول السريع إلى مختلف مصادر المعرفة.

 

“المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي… بل في طريقة استخدامه”

تنقسم مواقف بعض الأساتذة إزاء توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم بين الرفض والتحفّظ من جهة، والدعوة إلى تبنٍّ واع من جهة أخرى. إذ يبرر الرافضون موقفهم بتنامي ظاهرة الغش الأكاديمي، من خلال تقديم الطلبة إجابات جاهزة لا تعكس جهدًا شخصيًا، ما يدفع الأساتذة إلى التحقق من أصالة الأعمال والبحوث المقدّمة، وهو ما يفرض عليهم أعباء إضافية من حيث الوقت والجهد داخل العملية التعليمية.

في المقابل، يدعو مؤيدون إلى توظيف هذه التقنيات بشكل مسؤول، من بينهم البروفيسور محمد عدلان، الذي أكد “أنا مع الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية معاصرة وإنجازًا تكنولوجيًا، لكنني ضد الاستعمال السلبي لهذه التقنية بحيث نُغيّب أنفسنا؛ فالمشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، وإنما في طرائق استعماله”. ويشدد الأساتذة المؤيدون على ضرورة اعتماد هذه الأدوات كوسيلة مساعدة تدعم التعلم، دون أن تحل محل الجهد الشخصي أو التفكير النقدي، مع الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي.

 

نحو ترشيد استخدام الذكاء الاصطناعي لدى الطلبة

وفي امتداد لهذا السياق الذي أشار إليه الأستاذ، ينصح بالتوجه نحو الاستخدام الإيجابي والمتوازن للذكاء الاصطناعي، بوصفه أداة مساعدة لا بديلًا عن الجهد الأكاديمي. إذ يمكن للطلبة توظيف هذه التقنيات لربح الوقت واختزال المعارف، والوصول إلى المراجع وتنظيم الأفكار، مع ضرورة الحفاظ على دورهم في التحليل والكتابة.

كما يمكن استخدامها في تحديد المفاصل المنهجية والمعرفية الكبرى للبحوث، على أن يتولى الطالب بناء المعالجة العلمية وصياغتها بأسلوبه الخاص، بما يحفظ شخصيته العلمية ويعزز وعيه المعرفي. ومنه، تبرز أهمية وضع حدود واضحة لهذا الاستخدام، تقوم على شراكة متوازنة بين الطالب والتقنية، بحيث يستفيد من خدماتها دون أن يفقد استقلاليته الفكرية.

ويقتضي ذلك، الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع المتحكم، عبر استثمار واعٍ للذكاء الاصطناعي، مع إدراك أنه أداة غير معصومة من الخطأ، وقد تقدم معلومات مضللة، ما يستدعي التعامل معها بحذر داخل المسار الأكاديمي.

بن عشور خديجة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى