الثـقــافــة

فاعلون محليون يعيدون تشكيل المشهد بالمنيعة

الثقافة خارج الجدران…

في سياق إحياء شهر التراث، برزت ساحة بور سعيد بولاية المنيعة كنموذج حي لتحول لافت في مقاربة العمل الثقافي، حيث لم تعد الثقافة نشاطا مؤسساتيا معزولا، بل ممارسة جماعية مفتوحة، تتقاطع فيها أدوار الفاعلين الرسميين والمجتمع المدني.

هذه المبادرة، التي أشرفت عليها مديرية الثقافة والفنون، كشفت عن ديناميكية جديدة قوامها الشراكة والتفاعل المباشر مع الجمهور.

فاعلون في الواجهة: من التنظيم إلى التأثير

  ما ميّز هذه التظاهرة، هو الحضور الفعلي لمختلف الفاعلين، الذين لم يكتفوا بالتأطير، بل انخرطوا في صناعة الحدث ميدانياً. فقد عملت إطارات مديرية الثقافة والفنون على تنسيق البرنامج العام، بينما لعبت مكتبة المطالعة العمومية دوراً محورياً في نقل نشاطها خارج الفضاء التقليدي، من خلال ورشات مطالعة وعروض موجهة للأطفال والشباب.

مقابل ذلك، برزت الجمعيات المحلية كشريك أساسي، حيث ساهمت في تأطير الأنشطة وتنشيط الفضاء، ما منح التظاهرة طابعاً تشاركياً واضحاً. هذا التداخل بين الأدوار يعكس تحوّلاً من منطق “التنظيم المركزي” إلى “الفعل الجماعي”، وهو ما يمنح مثل هذه المبادرات قابلية أكبر للاستمرارية والتأثير.

تصريحات من الميدان: رؤية تتشكل

 في هذا الإطار، أوضح السيد “العابد ياسين”، مدير مديرية الثقافة والفنون، أن “الخروج إلى الفضاءات العمومية لم يعد خياراً ثانوياً، بل توجهاً استراتيجياً لردم الفجوة بين الثقافة والمواطن”، مشيراً إلى أن “الإقبال المسجل يؤكد أن الجمهور موجود، لكنه يبحث عن فضاءات أقرب إليه وأكثر تفاعلية”.

من جهتها، أكدت ممثلتا مكتبة المطالعة العمومية، كل من السيدتين “بوحميدة الخنساء” و”بن ساسي سامية”، أن “هذه التجربة سمحت بإعادة تقديم الكتاب في قالب حي ومفتوح، بعيداً عن الصورة النمطية المرتبطة بالصمت والعزلة”، مضيفتين أن “التفاعل المباشر مع الأطفال والشباب، يعزز فكرة أن المطالعة يمكن أن تكون نشاطاً اجتماعياً بامتياز”.

أما على المستوى الجمعوي، فقد شدد كل من “مامين محمد الطاهر”، “بن شهرة نفيسة”، “بوكريوع محمد عبد الله”، وممثلو جمعية “شباب المنيعة لحماية البيئة والتراث”، على أن “ربط الثقافة بالوعي البيئي هو استثمار في سلوك المواطن”، مبرزين أن “الأنشطة التحسيسية وحملات التشجير التي رافقت التظاهرة تهدف إلى غرس قيم الاستدامة لدى الأجيال الصاعدة”.

جمعيات تصنع الفارق

وقد عرفت التظاهرة مشاركة نوعية لعدد من الجمعيات، من بينها جمعية “أطفال الصحراء”، جمعية “نسائم الصحراء”، وجمعية “الأنوار” الولائية للنشاطات الثقافية، التي ساهمت في تنويع البرامج وتوسيع دائرة الاستفادة. كما شارك تلاميذ متوسطة “ابن باديس” ودار الشباب “بدريان” في مختلف الفعاليات، ما أضفى على الحدث بعداً تربوياً وتفاعلياً يعزز ارتباط الناشئة بالتراث.

هذا الحضور الجمعوي لم يكن شكلياً، بل عكس قدرة هذه التنظيمات على لعب دور الوسيط بين المؤسسات والمجتمع، وهو ما يطرح بإلحاح ضرورة دعمها وتمكينها ضمن السياسات الثقافية المستقبلية.

قراءة في الدلالات: نحو نموذج قابل للتعميم

  تجربة ساحة بور سعيد تفتح المجال أمام قراءة أوسع، تتجاوز الحدث في حد ذاته، لتلامس طبيعة التحول في مفهوم الثقافة. فاختيار الفضاء العام، تعدد الفاعلين وتنوع المضامين، كلها عناصر تشير إلى بروز نموذج جديد، يقوم على القرب، التفاعل والتكامل بين البعد الثقافي والاجتماعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى