أكد المحلل الاقتصادي الدكتور “هواري تيغرسي”، لدى نزوله ضيفًا على برنامج “ضيف الدولية” بإذاعة الجزائر الدولية، أمس الأحد، أن مشروع غارا جبيلات يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في تاريخ الجزائر الاقتصادي، مشيرًا إلى أنه ظل حبيس الأدراج منذ سنة 1956، رغم أهميته البالغة، قبل أن يرى النور اليوم بفضل إرادة سياسية حقيقية نقلته من دائرة الوعود إلى حيز التجسيد الفعلي.
موضحا في ذات السياق، أن مركب غارا جبيلات ليس مشروعًا محليًا أو جهويًا، بل مشروع وطني بامتياز، يمتد أثره التنموي إلى ما يقارب ثلث مساحة الجزائر، لاسيما مناطق الجنوب الغربي والغرب، على أن ترتبط مخرجاته الصناعية في المراحل المقبلة بالشمال الغربي، باعتباره حلقة وصل أساسية في سلسلة الإنتاج والتصدير.
السكة الحديدية… حجر الأساس في الاستغلال المنجمي
وشدد الدكتور “هواري تيغرسي”، على أن غياب البنية التحتية، وليس نقص الموارد، كان العائق الأكبر أمام استغلال الثروات المنجمية في الجزائر لعقود، معتبرًا أن تدشين خط السكة الحديدية المنجمي يشكل تحولًا نوعيًا، كونه يقلص تكاليف النقل ويمنح المنتَج الجزائري قدرة تنافسية في الأسواق العالمية، مضيفا بأن الجزائر، وهي تتجه لإنتاج ما بين 40 و50 مليون طن من خام الحديد في مراحل قادمة، مطالبة بجعل هذا الإنتاج منافسًا لدول رائدة في المجال مثل البرازيل وأستراليا، مستفيدة من موقعها الجغرافي القريب من أوروبا وإفريقيا وحتى الأسواق الآسيوية.
تنمية متوازنة وإحياء مناطق ظلت مهمشة
وأشار الدكتور “هواري تيغرسي”، إلى أن مشروع غارا جبيلات لا يجب أن يُنظر إليه كمشروع منجمي معزول، بل كقاطرة لتنمية متوازنة تمتد على مسافة تقارب ألف كيلومتر، في مناطق ظلت إمكانياتها غير مستغلة لعقود.
حيث كشف بالمناسبة، أن منطقة بشار وحدها تزخر بما لا يقل عن 23 مادة منجمية، بينها مواد نادرة، إلى جانب إمكانيات فلاحية معتبرة في زراعة النخيل والمنتجات الزيتية، فضلًا عن مؤهلات سياحية كبيرة قادرة على خلق تنويع اقتصادي حقيقي.
حركية اقتصادية واجتماعية شاملة
وأوضح الدكتور “هواري تيغرسي”، أن المشروع سيخلق ديناميكية اقتصادية شاملة تشمل المناولة، التكوين المهني، التعليم العالي، البحث العلمي والمؤسسات الناشئة، مشيرًا إلى أن الجامعات ومراكز التكوين بدأت بالفعل في استشراف تخصصات جديدة مرتبطة مباشرة بالقطاع المنجمي والصناعات التحويلية.
مشددا في ذات الصدد، على البعد الاجتماعي للمشروع، من خلال إعادة توزيع السكان، خلق ولايات منتدبة، وتعزيز الاستقرار في ولايات الجنوب الغربي، على غرار تندوف وبشار وبني عباس والنعامة.
غارا جبيلات… بوابة الجزائر نحو العمق الإفريقي
وفي هذا السياق، أكد الدكتور “هواري تيغرسي”، أن غارا جبيلات لا يقتصر على بعده الوطني، بل يفتح آفاقًا استراتيجية للانفتاح على العمق الإفريقي، خاصة من خلال ربط تندوف بشبكة السكة الحديدية، ثم امتدادها نحو المعابر الحدودية، لاسيما محور تندوف ـ زويرات، ما يضع أسس تكامل اقتصادي إفريقي حقيقي.
مبرزا في نفس الوقت، أن إنشاء المناطق الحرة في هذه الأقاليم جاء ضمن رؤية مستقبلية، تهدف إلى تحويل الجنوب الغربي إلى فضاء اقتصادي نشط قادر على تموين الأسواق الإفريقية، وتعزيز المبادلات التجارية مع دول الجوار، وعلى رأسها موريتانيا.
جذب الاستثمار وكسر التبعية للمحروقات
وفي رده على سؤال حول جاذبية الاستثمار، أكد الدكتور “هواري تيغرسي”، أن أي منظومة صناعية لا يمكن أن تقوم دون بنية تحتية قوية، معتبرًا أن السكة الحديدية والموانئ المؤهلة تمثل رسالة طمأنة حقيقية للمستثمرين المحليين والأجانب.
مضيفا بأن الجزائر ،عانت طويلًا من تقلبات أسعار النفط، وأن مشاريع كبرى مثل غارا جبيلات، فوسفات بلاد الحدبة، والزنك بأميزور تشكل فرصة حقيقية للانعتاق من التبعية للمحروقات وبناء اقتصاد متنوع وأكثر مرونة.
من الوعود إلى الفعل
وأكد الدكتور “هواري تيغرسي”، في ختام الحوار، بالتأكيد على أن ما تحقق يعكس انتقال الجزائر من مرحلة الوعود إلى مرحلة الإنجاز، مشيدًا بالإرادة السياسية التي سمحت بتجسيد مشاريع استراتيجية في آجال قياسية، وهو ما يعزز ثقة المواطن في المستقبل الاقتصادي للبلاد، مؤكدا تحليله أن الجزائر تمتلك الثروات، والإمكانات، والعنصر البشري القادر على تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية، وأن مشروع غارا جبيلات كشف عن إمكانيات وطنية هائلة طال إهمالها.
نسرين. ع




2 تعليقات