
في جو تكريمي، أخذ جانب من منعطف معهد العالم العربي “أم كلثوم العشرينيات”، التي لم يتم استكشافها، وبعيدا عن اللوحات الجدارية الأوركسترالية العظيمة، التي صاغت أسطورة نجمة الشرق، يعود هذا العرض إلى سنوات تدريب المطربة في القاهرة، وإلى تعاونها الأول مع الشعراء والملحنين، وإلى ذخيرة نادرا ما يتم تقديمها اليوم. باختصار، علم موسيقي يكشف أسس الأسطورة.
من خلال هذا الحفل الفني البهيج، تتبعت الفنانة “خديجة العفريت”، بدايات كوكب الشرق “أم كلثوم” عند وصولها إلى القاهرة بمصر. ومنها، بعثت الحياة في ذخيرة موسيقية عربية كلاسيكية نادرة، من خلال قراءة شخصية.
إن الهدف من إحيائها للسهرة الفنية، ليس مجرد استعادة لأغاني “أم كلثوم”، بل هو مشروع موسيقي علمي أكاديمي، بمثابة عملية حفر وتنقيب مستمر في جذور النجاح كوكب الشرق، حيث ركزت فيه على اللهجات المقامية المهجورة، مثل مقام الجهركاه، ومدرسة الغناء التجويدي التي استلهمتها من كبار المقرئين لضبط تقنيات التنفس والنطق السليم.
يأخذ الترتيب الموسيقي شكل التخت، وهي فرقة تقليدية للموسيقى العربية الكلاسيكية، حول “خديجة العفريت” التي تقدم الغناء والقانون، فرقة مؤلفة من العود والكمان والإيقاع والتشيلو والرق، ممتدة بجوقة فنية عازفة متكونة من “رحمة بالحاج يحيى” على آلة العود، “الياس الغورابي” على آلة الرق، “قيس سيالة” على آلة الكمان، “أنيس بسيلة” على آلة الشيلو، و(حسينة حسبوت، فتيحة حساني وإيمان عامر)
حيث تعزف العازفة “خديجة العفريت” القانون بنفسها، ما يشكل في حد ذاته لفتة فنية مميزة ببصمة منقوشة تضاف إلى رصيدها. ومن غير المألوف في هذا التقليد، أن تقدم علاقة مباشرة في نفس الوقت بين الصوت والآلة، كما لو أن الخطاب الموسيقي قد تم إنشاؤه في نفس الوقت. وعلى متن هذا الفضاء أثناء الحفل، استعادت الكلمة الشعرية مركزيتها بكامل النصوص، التي يحملها صوت شجي وساكن، تتنقل بين الباطن وبين الحماسة الروحية والتوتر نحو الحرية، تظهر حداثتهم عبر الأثير تحكي مسيرة عقود قرن من الزمن.
فنانة بين المعرفة والمسرح
ولدت “خديجة العفريت” في مدينة سوسة أصيلة تونس الشقيقة، بدأت في وقت مبكر جدًا على يد والدها “عزام العفريت”، أستاذ الموسيقى، وتعلمت الغناء، البيانو، العود والقانون، قبل متابعة دورة كاملة من التعليم الأكاديمي.
تعلمت “خديجة العفريت” الموسيقى على يد والدها رحمه الله “عزام الطاهر العفريت” أستاذ موسيقى. كان مديرا للمعهد الوطني للموسيقى بسوسة منذ السبعينات، وأستاذ موسيقى بأكبر المعاهد بسوسة معهد الذكور بسوسة والمعهد النموذجي، تتلمذ على يده مجموعة كبيرة من الأساتذة وكبار العازفين والفنانين بتونس.
منذ سنّ مبكرة درست الغناء والعزف على البيانو، العود والقانون، وهو آلة موسيقية مميزة في حوض البحر الأبيض المتوسّط. وبعد أن أنهت دراستها الكاملة في المعهد الوطني للموسيقى بسوسة، تخرجت سنة 1993 وتحصلت على دبلوم في الموسيقى العربية، ودبلوم آلة القانون. وفي السنة نفسها، تم توظيفها في المعهد الموسيقي بمدينة سوسة لتدرس الغناء والقانون والصولفيج، والمقامات العربية. وهكذا بدأت مسيرتها كعازفة منفردة وأستاذة موسيقى. وحياتها المهنية كعازفة منفردة في فرق مختلفة.
بتألقها، دعيت لتقديم عروض كعازفة ضمن فرق موسيقية عربية تقليدية وأخرى غربية، وشاركت في أعمال موسيقية معاصرة ومشاريع متنوّعة ضمن فرق موسيقى العالم والموسيقى الكلاسيكية. وبموازاة ذلك، واصلت دراستها في المعهد العالي للموسيقى بتونس، وحصلت سنة 2001 على جائزة رئيس الجمهورية الأولى ومنحة مكنتها من متابعة دراستها بجامعة السوربون باريس الرابعة بفرنسا. نالت شهادة الدكتوراه في العلوم الموسيقية بتقدير مشرف جدّا.
الحاج نور الدين أحمد بامون



