
تتحرك في كل الاتجاهات، لا تتوقف عن تلبية من يحتاج للمساعدة، توجه، تنصح، تقدم الاستشارة، تسأل الزبون عن رغباته، تقترح أفكارها في كل جلسة تنضم لها، تعمل على الترويج لكل ما هو جزائري، وإقناع المتلقي حتى لو كان جزائريا بجودة وأهمية المنتوج المحلي، إنها “العالية درايج” بنت مدينة الشلف التي استطاعت كسر النظرة السطحية للمرأة “الماكثة بالبيت” بعد 20 سنة من التوقف عن العمل واقتصارها على مسؤولية الأسرة، وهي أم لبنت وحيدة “إيناس”.
كبرت “العالية درايج” في أسرة محافظة محبة للعلم، تلقت تعليمها وتدرجت في مختلف المراحل التعليمية، وقد كانت محظوظة بأنها تعرفت واندمجت مع مختلف الثقافات المحلية، نتيجة تنقلاتها العائلية انطلاقا من موقع ميلادها “غليزان” نحو باقي المناطق تبعا لمهنة والدها. تعرفها على أصدقاء جدد واكتساب معلومات ثقافية، هوياتية، تاريخية وتقاليد جديدة نمّى لديها حس الاكتشاف وزاد من رغبة البحث والسؤال لمعرفة الجديد والمزيد.
وبعد ولوجها عالم الشغل جاء موعد الزواج، فكانت أسرتها الصغيرة مركز اهتمامها، لتنقطع عن العمل وتتفرغ لأسرتها وتعتني بابنتها الوحيدة “إيناس”، التي هيمنت على كل انشغالاتها، فلم يعد أي أمر يجلب انتباه “العالية” ماعدا عملها على توفير كل الظروف اللازمة من أجل جعل ابنتها تدرس وتحقق النجاح، وقد كان لها ذلك، بعدما حصلت على شهادة البكالوريا، وتختار أوروبا لمواصلة تعليمها العالي، حيث تدرس الحقوق.
بيد أن الفراغ الذي تركته “إيناس” في بيتها الصغير، جعل والدتها تعيد التفكير من جديد، وتُفَعِّل حاسة البحث والاكتشاف والتواصل مع الآخرين.
“الإيواء السياحي”… البوصلة التي فتحت الأبواب
عودة “العالية درايج” إلى العلاقات الاجتماعية، جعلتها تعيد ترتيب أولوياتها ودراسة علاقاتها، لترجع إلى سابق عهدها عندما كانت شابة وهي اليوم على مشارف الخمسين.
فلم تكن إحدى الجلسات مع بعض الأشخاص خالية من الحديث عن العادات والتقاليد، وكيفية الاشتغال على “السياحة الداخلية”، فالتقطت أذنها فكرة “الإيواء السياحي”، وهي الفكرة التي يجهلها الكثير من الجزائريين الذين يملكون بيوتا وفضاءات سكنية لكنهم لا يعرفون استغلالها اقتصاديا.
حملت “العالية درايج” الفكرة، وتوجهت إلى مديرية السياحة لولاية وهران، بحكم أنها مستقرة بهذه المدينة الساحرة جمالا وضيافة، وهناك تلقت كل الشروحات حول هذه الفكرة التي تصلح لتكون مشروعا مهما ومكسبا لكل من يملك سكنا أو فضاء يكسب من خلاله مالا بطريقة قانونية، واجراءات بسيطة بعيدا عن تعقيدات الضرائب والتأجيرات المشبوهة وغيرها من المشاكل.
ولأنها تربت في عائلة تعتمد القانون في معاملاتها الرسمية، فقد اختارت أن تدخل عالم السياحة بتكاليف بسيطة، ولكن باستغلال أكبر للمعلومات والمعطيات التي تكتسبها في مجال التقاليد والموروثات الشعبية وغيرها. وبعد الاطلاع الواسع للنشاطات السياحية المكفولة قانونا، اهتدت إلى نشاط “الإيواء السياحي”، بما أنها كانت تملك سكنا خاصا وترفض استغلاله بطريقة غير قانونية لأنها كانت ترى في تأجيره عن طريق الموثق اجراءات إدارية وضرائب مرهقة، عكس “الإيواء السياحي” الذي تتمتع فيه بمداخيله لنفسها وحدها دون ضرائب ولا غرامات، ولا تدفع للدولة سنتيما بينما نحميها الدولة وتسهل لها تدابير “الإيواء السياحي”.
استثمار مريح… لا ضرائب، معارف وترويج السياحة الداخلية
فضلت “العالية درايج” التوجه إلى “الإيواء السياحي”، وهناك وجدت ضالتها، فانطلقت في تهيئة مسكنها، واتجهت إلى مديرية السياحة للشروع في الاجراءات القانونية.ومن هناك إلى المديريات والهيئات الرسمية، التي لها علاقة بالموضوع، على غرار الحماية المدنية، الصحة، الشرطة، البلدية… حيث تكونت لجنة من هؤلاء قامت بزيارة بيتها، اطلعت خلالها على الوضعية الخاصة بالسكن ومدى توفره على الضروريات التي تسمح للفرد بالإقامة فيه، وبعدما تحصلت على موافقة كل الأطراف، بدأت في تأجير بيتها بالليلة أو اليوم للزبون، مع ملئها لاستمارات خاصة تحضرها من عند مديرية السياحة، تخص التصريح بالمعلومات الشخصية للزبون.
كما تبلغ المقر الأمني القريب من البيت وكذا البلدية، وذلك تبرئة لذمتها أمام الجهات الرسمية في حال حدوث أمر ما لا سمح الله.
وفي حديثها عن مشروعها، أوضحت “العالية درايج” ليومية “البديل”، أن التوجه نحو “الإيواء السياحي” سمح لها بعدم دفع الضرائب، لأن الدولة الجزائرية لا تبحث عن الربح من المواطن، وإنما تساعده على تحقيق مكاسب مالية بطريقة قانونية، مع ضمان أمنه وسلامته، من خلال التصريح بالأشخاص الذين يؤجر لهم، لأنه يمكن أن يكونوا مشبوهين، وهو لا يعلم فيصبح شريكا معهم بجهله للقانون.
مضيفة أنه، في حال تجاوز 28 يوما من الإيجار لنفس الشغل، فإنه مضطر إلى الانتقال إلى الحالة الثانية وهي التوجه نحو الموثق ودفع ضرائب… كما سمح “الإيواء السياحي” للعالية بممارسة هوايتها، وهي الترويج المنتوج الجزائري المحلي، من خلال توفير مواد التجميل (شمبوان، صابون، مناشف…) جزائرية الصنع، وكذلك أفرشة الجلوس، الحلويات وحتى المشروبات… خاصة إذا كان الزبون مغتربا أو أجنبيا مع العمل على توجيهه وإرشاده إلى المواقع التي تستحق الزيارة والاكتشاف، فهي لا تكتفي بكراء البيت فقط وإنما تقوم بمرافقة الزبون والسهر على تزويده بكل المعلومات التي يحتاجها من أجل خلق شغف الاستمرار في زيارة الجزائر واكتشاف جمالها وتراثها والتعرف على تاريخها وثقافتها…
ربط شبكات عمل وتواصل داخلية قوية
ولوج “العالية درايج” عالم النشاط السياحي، من خلال “الإيواء السياحي”، سمح لها بالتعرف على ناشطين آخرين في السياحة، وتكوين علاقة شراكة وتعاون قوية.
فهي تستغل معارفها في المجال من أجل توفير مناطق ومواقع سياحية لاكتشافها من طرف زبائنها، عبر مدهم بعناوين مطاعم، مقاهي، فنادق، أطباء، عيادات، مواقع سياحية، مرشدين سياحيين، مساء السيارات، محلات بيع المنتجات الجزائرية (ألبسة، حلويات، هدايا…) وتشجيعهم على اقتناء ما يذكرهم بزيارتهم إلى الجزائر.
وهي الطريقة، التي جعلت الكثير من الزبائن أوفياء لها وفي تواصل دائم معها، نظرا لما توفره لهم من خدمات مجانية إضافية توفر عليهم دفع تكاليفها لو كانوا يقيمون في فندق. كما أن استغلالها لشبكة معارفها، جعل السياحة الداخلية تنتعش بفعل التواصل وتسهيل الرحلة الزبون المسافر أو السائح، من خلال الاتصال والحجز المسبق له سواء في مناطق خارج وهران، كالصحراء مثلا أو مواعيد طبية وتربطها لهم مع أحداث وفعاليات ما الصالونات والمعارض والحفلات والنشاطات الثقافية والرياضية، كما أنها تقترح على زملائها في السياحة تنظيم برامج سياحية لزبائنهم.وهي الفكرة التي أصبحت تجلب الزبائن أكثر.
الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين الجزائريين نافذة لبناء العلاقات
ولأن “العالية درايج” تثق في الطرق القانونية لتأمين نشاطها، واصلت البحث عن نوافذ تسمح لها بتوسيع دائرة معارفها، فقادتها رغبتها إلى “الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين الجزائريين” برئاسة “الحاج بولنوار”.
حيث ساعدتها عضويتها بالجمعية بالتعرف على مختلف الأشخاص في مختلف النشاطات، وقلص عليها تعب البحث عن المعارف لتلبية حاجة زبائنها، فأصبحت تستغل الجمعية في التواصل مع كل المكاتب التابعة لها عبر المستوى الوطني، وهو ما سهل عليها كسب ثقة الزبائن الذين أصبحوا يوكلون لها برمجة رحلاتهم داخل الوطن حسب رغباتهم، لتصبح مستشارة أكثر من مسيرة للإيواء السياحي خاصة لدى العائلات الجزائرية التي ترغب في السياحة وأحيانا العلاج، واكتشاف مناطق والتعرف على تقاليد جزائرية جديدة.
فأصبحت الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين الجزائريين العائلة الثانية للعالية التي تبحث عن المنتوج الجزائري وتسعى للترويج له سواء لدى الزبون الجزائري، المقيم بالتراب الوطني أو المغترب المقيم بديار المهجر أو الأجنبي الذي يبحث عن أسرار الجزائر الساحرة.
التسلح ببطاقة “المقاول الذاتي” ضمان لتقاعد مريح
ثقافة “العالية درايج” القانونية، جعلتها تواكب التطور التي تعرفها الدولة الجزائرية، من أجل مسايرتها واستغلال كل ما تطرحه السلطات العليا لفائدة المواطن الجزائري، فقد كانت السباقة للاستفادة من بطاقة “المقاول الذاتي”، بعدما كانت تفضل نشاط “الإيواء السياحي” الذي يعفيها من الضرائب لكنه لا يوفر لها تأمينا تضمن به تقاعدها.
وفي هذا الشأن، فقد سارعت “العالية” إلى توظيب ملفها، والاستفادة من بطاقة “المقاول الذاتي” التي تسمح لها بالتأمين على نفسها، وبالتالي ضمان تقاعد يقيها مشاكل الحياة عندما تتقدم في السن وترغب في التوقف عن العمل والخلود إلى الراحة.
ومن النصائح التي تصر “العالية درايج” على إقناع الجزائريين بها، هي تذكيرهم بأن ما يفوق 60 بالمائة ممن يؤجرون بيوتهم، يقومون بذلك خارج القانون خوفا من الضرائب لأنهم يجهلون وجود نشاط قانوني يعفيهم من الضرائب يسمى “الإيواء السياحي” ويحميهم قانونا من أية تتبعات قضائية في حال كان الزبون المؤجر مشتبه فيه.



