
أفرز التحوّل الرقمي المتسارع واقعًا إعلاميًا جديدًا لم تعد فيه المعلومة حكرًا على المؤسسات الصحفية، بل أصبحت في متناول الجميع، تُنتج وتُوزَّع بضغطة زر. غير أن هذا الانفتاح، رغم ما يحمله من مكاسب، كشف عن وجه آخر أكثر خطورة، يتمثل في الانتشار الواسع للأخبار المغلوطة والشائعات، التي باتت تشكّل أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمع والدولة في الجزائر.
ففي الفضاء الافتراضي، لم تعد الشائعة تحتاج إلى وقت لتنتشر أو إلى قناة تقليدية لتُصدَّق، بل تُصاغ في منشور أو مقطع قصير، وتُقدَّم في قالب مثير، لتبلغ آلاف المتلقين في وقت قياسي، دون مصدر واضح أو تحقق مهني. هذا الواقع جعل من التضليل الرقمي عاملًا مؤثرًا في توجيه الرأي العام، وأحيانًا في زعزعة الاستقرار النفسي والاجتماعي.
ضرب الوعي الجماعي… الخطر غير المرئي
تكمن خطورة الأخبار الزائفة في قدرتها على التأثير الهادئ والعميق في الوعي الجماعي. فهي لا تكتفي بتشويه الوقائع، بل تُسهم في إضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتغذية الشكوك حول القرارات الرسمية، وخلق حالة من الالتباس الدائم.
ومع تكرار هذا النمط، يصبح المواطن محاصرًا بسيل من المعلومات المتناقضة، عاجزًا عن التمييز بين الصحيح والمفبرك. وتزداد حدة هذا الخطر عندما تأخذ الشائعات طابعًا جهويًا أو اجتماعيًا أو تمسّ قضايا سيادية، ما يجعلها أداة قابلة للاستغلال في تأجيج الانقسام وزرع الاحتقان، خاصة في الفترات الحساسة.
الإشاعة الإدارية… فوضى صامتة داخل المؤسسات
ضمن موجة التضليل الرقمي، برز بشكل لافت تداول أخبار غير مؤكدة تتعلق بإنهاء مهام مسؤولين أو تحويلات إدارية مزعومة. هذا النوع من الأخبار، الذي يُروَّج غالبًا خارج أي إطار رسمي، لا يمسّ بالأشخاص المعنيين فحسب، بل يضرب مصداقية الإدارة العمومية، ويُربك السير العادي للمؤسسات، ويخلق مناخًا من الانتظار والترقب غير المبرر. كما أن تقديم هذه الأخبار في صيغة “معلومة مؤكدة” أو “مصدر خاص” يمنحها شرعية وهمية، ويُسهم في تسريع انتشارها، رغم غياب أي تأكيد رسمي.
القانون… خط أحمر أمام الفوضى الرقمية
أمام هذا الواقع، شدّد التشريع الجزائري على تجريم نشر وترويج الأخبار الكاذبة، خاصة تلك التي تمسّ بالأمن العام، النظام العام، أو وحدة الوطن. فالمسؤولية القانونية لا تقتصر على صانع الخبر الزائف، بل تشمل أيضًا من يروّجه أو يعيد نشره دون تحقق، إذا ترتب عن ذلك ضرر أو مساس بالمصلحة العامة.
ويعكس هذا التوجه قناعة مفادها أن حرية التعبير، رغم كونها حقًا مكفولًا، لا يمكن أن تتحوّل إلى غطاء للفوضى الإعلامية أو وسيلة للمساس باستقرار الدولة وهيبة مؤسساتها.
معركة وعي قبل أن تكون معركة نصو
في المحصلة، تبقى مواجهة التضليل الرقمي رهينة بتعزيز الوعي الإعلامي، وترسيخ ثقافة التحقق من المصادر، والعودة إلى الإعلام المهني كمرجعية أساسية للمعلومة.
فالقانون وحده لا يكفي ما لم يدرك المستخدم أن كل مشاركة غير محسوبة قد تتحوّل من فعل بسيط إلى مسؤولية وطنية. في زمن السرعة الرقمية، تبقى المعلومة الدقيقة خط الدفاع الأول عن استقرار الوطن.



