
هيمنة المعلومات.. يشهد العالم تحولا جذريا في موازين القوى الاقتصادية .مع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي. التي بدأت تقوض أحد أعمق الاختلالات في النظام الرأسمالي الحديث. يتمثل هذا الاختلال في التفاوت المعلوماتي بين البائعين والمستهلكين. الذي طالما شكل مصدر قوة للشركات ضد عملائها. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي المتوفر الآن في متناول معظم المستهلكين. أداة فعالة تبدد الضبابية التي استغلها التجار لعقود في مجالات العقود والتسعير والخدمات.
تشير تحليلات مختصة، إلى أن التطور المتسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي. حول علاقة المستهلك بالتاجر إلى صيغة أكثر توازنا ودراية.
فالمستهلك الذي كان يفتقر سابقا للمعرفة الكافية بالسلع والخدمات التي يقتنيها أصبح قادرا اليوم. على تحليل الوثائق التعاقدية وكشف العيوب الخفية. وحتى إجراء مفاوضات ذكية باستخدام المنصات الرقمية.
ويواجه ما يسمى باقتصاد الخداع، حيث تستفيد المؤسسات التجارية من تعقيد المعلومات. وغموضها منافساً غير مسبوق يتمثل في المساعد الرقمي الذكي.
تبدأ ملامح هذا التحول من مراجعة عقود السيارات وعقود إيجار المساكن. وصولا إلى الاستشارات الطبية والقانونية. حيث يظهر الذكاء الاصطناعي كفاءة ملحوظة في الحد من استغلال جهل المستهلك.
وتكشف البيانات الصادرة عن مكاتب التحليل الاقتصادي عن انخفاض نسبة إنفاق المستهلكين. على السلع والخدمات التي تتسم بتباين معلوماتي حاد إلى حوالي ربع إجمالي الإنفاق. بعد أن كانت قد بلغت ذروتها عند nearly ثلث إجمالي الإنفاق مع بداية الألفية الجديدة.
يشمل هذا النوع من الإنفاق قطاعات متعددة مثل التأمين الصحي والإيجارات السكنية والخدمات المهنية. التي يمتلك فيها البائع معرفة أوسع من المشتري حول الجودة والسعر الحقيقي.
ويعد هذا التراجع الأكبر منذ 6 عقود مما يعكس تحولا بنيويا في قدرة المستهلكين. على الوصول إلى المعلومات بفضل انتشار الإنترنت وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتظهر الأرقام في بريطانيا أن الخسائر الناجمة عن ضعف الشفافية .بلغت ما يعادل 2.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة محددة.
نهاية هيمنة المعلومات..
تصدرت عمليات شراء المنازل قائمة مصادر الخسائر بمتوسط كلفة تجاوزت 750 جنيها إسترلينيا للفرد. تليها السيارات المستعملة التي شكلت ثاني أكبر مصدر للأضرار المالية.
وانتشرت باقي الأضرار عبر قطاعات النقل الجوي والخدمات القانونية وأعمال صيانة المنازل وتأجير السيارات والرعاية المنزلية. مما يبرز حجم الأعباء التي يتحملها المستهلك بسبب ضعف المنافسة ونقص المعلومات.
يعيدنا هذا التحول إلى ما قدمه اقتصادي حائز على جائزة “نوبل” في ورقته البحثية الشهيرة. حول سوق السيارات المستعملة. حيث بين أن غياب المعلومات الدقيقة يؤدي إلى خروج البائعين. الجادين من السوق تاركين المستهلك وجها لوجه مع السلع المعيبة.
لكن عصر الإنترنت ومن بعده الذكاء الاصطناعي بدأ يقلب هذه المعادلة. حيث أصبح من الصعب على السائقين استغلال الركاب. باختيار طرق أطول أو على المحامين والأطباء تقديم خدمات مكلفة دون مبرر حقيقي.
تكشف الدراسات الحديثة أن المستهلكين الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في التفاوض، أو صياغة الشكاوى يحققون نتائج أفضل بنسبة تقترب من 9 بالمئة مقارنة بغيرهم، وفق تحليل أجرته جامعة على أكثر من مليون شكوى مقدمة إلى مكتب حماية المستهلك.
ويبدو أن مستقبل الأسواق سيقوم على توازن جديد بين ذكاء اصطناعي يخدم المستهلكين ونظيره الذي تعتمده الشركات، فبينما تمكن المستهلك من الحصول على مستشار رقمي يحميه من الغش.
تعمل الشركات بشكل متواز على تطوير أنظمة محتوى مصممة لتقديم روايات تسويقية مقنعة.
قد يفرض هذا السباق التقني في المستقبل القريب، وسطاء محايدين من الذكاء الاصطناعي للفصل بين الطرفين، في ظل اختفاء عصر المستهلك الجاهل. ويعيد هذا التحول تعريف طبيعة العلاقة بين البائع والمشتري بعد عقود من الهيمنة المعلوماتية لصالح جانب على حساب الآخر.
وتبدو المعركة القادمة وكأنها مواجهة بين خوارزميات متعارضة تحاول كل منها خدمة مصالح طرف مختلف في المعادلة التجارية.
ياقوت زهرة القدس بن عبد الله



