لك سيدتي

من الاستعمار إلى الاستثمار 

 المرأة الوهرانية... التي استغلت التكنولوجيا الرقمية للإبداع في البلوزة الوهرانية 

مازالت المرأة الجزائرية إلى اليوم تثبت وجودها، وتؤكد أنها مصدر إلهام وإبداع وليست محدودة التفكير، وتعزز تواجدها في المجتمع بتسلقها سلم المسؤوليات والمشاركة في صياغة واتخاذ القرارات. فهي منذ الأزل وإلى اليوم، تبهر بأفكارها المتواترة وتسحر بإبداعاتها الساحرة.

ولأن المرأة الجزائرية تجمع بين الأنوثة والقوة، وتمزج بين الصلابة بين المرونة، فإنها لم تقف يوما مكتوفة الأيدي أمام الاستعمار، بل واجهته بكل بسالة وشجاعة جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل، وفي مسار الثورة التحريرية المجيدة نماذج وفي الثورات الشعبية دروس، وبمواصلة العودة إلى التاريخ السابق والغوص في أعماقه، يتضح جليا أن المرأة الجزائرية استغلت كل ما يحيط بها لتحافظ على جمالها وأنوثتها وتعزز معارفها وقدراتها، حتى أنها لم تكن ترى في الاستعمار عدوا يجب إلغاء كل ما يصدر منه أو يخصه كأمور شخصية، بل كانت تستغل مواجهته لاستلهام ما يمكن أن يجعلها تستثمر في خصوصياتها لتصنع التميز والتفرد وتزيد من علو شأنها ورقي مكانتها في المجتمع، وهو ما يمكن إسقاطه على لباس “البلوزة الوهرانية”، التي أصبحت “ماركة عالمية” في عالم اللباس النسائي والموضة، تختص بأسرارها الخياطة الوهرانية (ولاية وهران بالغرب الجزائري)، باستغلال لباس النسوة الإسبانيات القادمات مع الاستعمار الإسباني للغرب الجزائري خلال القرنين 16 و17 ومزجه باللباس العادي الجزائري.

 

المتحف الوطني “أحمد زبانة” يحتفي ب”البلوزة الوهرانية” فخرا بالمرأة في عيدها

اختار المتحف الوطني “أحمد زبانة” التميز في الاحتفال بعيد المرأة، من خلال تنظيم سهرة احتفالية رائعة جمعت نساء وهران بكل أعمارهن، وخلقت جوا حواريا دافئا، عبقته رائحة القماش الذي يعود إلى أكثر من 60 سنة وكأن البلوزة الوهرانية قد أنجزت منذ أيام فقط لولا مظهر وطريقة خياطتها البسيطة التي تؤكد قدمها.

وقد كانت الجلسة نسائية بامتياز غلب علي حاضراتها البلوزة الوهرانية بكل درجاتها، في قعدة تقليدية اتسمت بالحكايا والذكريات حولت القاعة إلى فضاء سريالي تحوم فيه الأحواش (الحوش هو فناء يتوسط المنزل قديما)، بحركات نسائها وهن تتجمعن حول قطع القماش تتقاسمن الأدوار، بين من تفصل، والتي تخيط والتي تركب العقيق…. كما حضر بعض من الرجال المهتمون بالتراث الجزائري من أجل تثمينه، وفي هذا الإطار، ذكر “هشام سقال”، مدير المتحف الوطني “أحمد زبانة”، أن الغرض من هذه السهرة الرمضانية الخاصة، هو فرصة لجمع الجيلين بين النساء وفتح نافذة لتثمين وتعزيز اللباس التقليدي لاسيما البلوزة الوهرانية، مع التركيز على خلق الفضول والاندفاع لدى فتيات الجيل الحالي للعودة إلى اللباس التقليدي والعمل على تحيينه والحفاظ على عناصره الأساسية وإمكانية إدخال عناصر التجديد عليه دون الإضرار بجوهره. فيما اعتبرت “نادية بلعادل”، رئيسة قسم التنشيط والورشات البداغوجية والاتصال بالمتحف “أحمد زبانة”، التداهرات مناسبة قيمة تسمح للمرأة الوهرانية بإبراز تفننها وقدرتها على إظهار أنوثتها بكل لباقة عن طريق اللباس الذي أبدعت فيه وجعلته يصل العالمية ويناسب كل امرأة تبحث عن الفخامة والظهور بمستوى أرقى خاصة في المناسبات المهمة كالأعراس، الحفلات، الأعياد….

 

الجمعية الوطنية أصول السياحة والتراث… جهود مضاعفة لتثمين “البلوزة الوهرانية” واستمراريتها

تعتبر “البلوزة الوهرانية” موروثا نسائيا بامتياز، وجب الحفاظ عليه لأنه يعتبر من العناصر الهوياتية الأساسية للمرأة الجزائرية عموما والوهرانية خصوصا، لأنها هي التي استطاعت بذكائها وفطنتها أن تستغل اللباس الأوروبي (نساء إسبانيا) عندما كان الغرب الجزائري تحت نير الاستعمار الإسباني خلال القرنين 16 و17 وتدمجه مع اللباس الجزائري العادي لتنتج لباسا أنيقا وراقيا يبرز مفاتنها ويستر جسدها، باحثة له عن اسم غير مكرر، فكان “البلوزة blousa” هو الاسم الذي يرافقها منذ ذلك الزمن إلى اليوم، وقد أخذ من “blouse” أي القميص باللغة الاسبانية، مع دعمه ب”الوهرانية” للتأكيد على أن وهران هي مدينة المنشأ.

وفي هذا الشأن، قدمت “فتيحة لكباد”، الخياطة والباحثة في التاريخ اللامادي وحاليا تؤلف كتابا حول “البلوزة الوهرانية”، شرحا وافرا حول هذا اللباس الذي استمد من المزج بين لباس المرأة الإسبانية التي كانت متواجدة بالغرب الجزائري خلال الاستعمار الإسباني ولكن أغلبهن فقيرات، فقد كان بسيطا مقارنة بلباس المرأة الجزائرية الذي كان بسيطا في خياطته لكنه أرقى من الإسباني. موضحة من خلال البلوزة الوهرانية المعروضة والتي جمعة بين القديم والعصري، إحداها تعود إلى أواخر سنوات الثلاثينات وبداية الأربعينات، تكشف قدرة المرأة الجزائرية على الإبداع والابتكار، مضيفة أن الأبحاث التي تقوم بها حاليا تستند على شهادات العجائز في غياب معلومات توثق تاريخها.

من جهتها، أوضحت “غوثية بونورة” المعروفة ب”يايا”، رئيسة “الجمعية الوطنية أصول السياحة والتراث”، أن إشرافها على هذه التظاهرة النسائية الرمضانية بالتنسيق مع المتحف الوطني “أحمد زبانة”، احتفالا بعيد المرأة هو فرصة لتشجيع المرأة الوهرانية على ارتداء “البلوزة” في المناسبات وتحفيز البنات على الإبداع في تطويرها مع الحفاظ على خصوصياتها الأساسية لأنها تمثل هويتهن الحقيقية، وتعزز تاريخهن، مبدية سعادتها بالنساء الحاضرات اللواتي أبرزن جمالهن ومزجن بين التقليدي والعصري بالنسبة للبلوزة في ترابط مهم كشف سيرورة البلوزة من القديم إلى الحاضر.

بينما ذكرت “حبيبة لكويس” الخياطة المتخصصة في “البلوزة الوهرانية” أن خياطتها تستغرق بين أسبوع وشهر، وتستدعي الخيال أكثر والقدرة على المزج بين الألوان ودرجة تناسق الأحجار والعقيق وخيوط الطرز مع القماش، وفق القدرة المالية لكل امرأة، فالأسعار تختلف وهي تتراوح بين 2 و15 مليون سنتيم وهناك ما هو أغلى، تبعا لنوعية العقيق المستعمل ودرجة التزيين.

 

التكنولوجيا الرقمية تضفي لمستها على البلوزة الوهرانية

بعدما كانت النسوة قديما تجتمع في حوش البيت، حول “الطنيبر أو الطارة” للتطريز وتقابلها أخرى تفصل القماش، وتجاورها الأخرى تخيط بيدها قبل ظهور آلة الخياطة، وتستمد خياطة بلوزة واحدة جهدا ووقتا كبيرين، استمرت المرأة الوهرانية في استغلال كل التطورات التي تطرأ في محيطها.

حيث انتقلت من إستعمال الخيط بأنواعه في التطريز فقط إلى إستعمال الأحجار والعقيق، وبدأت في إستعمال آلة الخياطة التي قلصت الجهد والوقت، كما سمحت التطورات بإستغلال كل ما يساعدها على الإبداع، فأصبحت الخياطة اليوم تعتمد على ذكائها في التنسيق بين الألوان وطريقة الفصالة مع التركيز على الحفاظ على أساسيات البلوزة الوهرانية، رغم التفنن في قصاتها لاسيما عن الصدر وكذا الذراعين، بينما أدخلت التكنولوجيا الرقمية لتطوير إبداعها، من خلال إستعمال الحاسوب لوضع الرشمات وطرزها، إضافة إلى استغلال الذكاء الاصطناعي لخياطة بلوزة عصرية بطريقة ذكية تجمع الخصائص الأصلية وتدمجها بالنظرة الجديدة تماشيا مع التغيرات في عالم اللباس والموضة، لاسيما وأن البلوزة الوهرانية كانت تخاط حسب المناسبات فهناك بلوزة الحمام خاصة بالعرائس، بلوزة الوقر خاصة بالجنائز، بلوزة القيمة أو الهمة، بلوزة القعدة…… وعموما ترتديها المرأة المتزوجة فقط أما العزباء فلا تلبسها.

يذكر أن المرأة الجزائرية أصبحت في المدة الأخيرة تهتم أكثر بالتراث الجزائري لاسيما ما تعلق بنشاطاتها الخاصة كالطبخ واللباس، وتعمل على تجديده مع الحفاظ على خصوصياته التقليدية، وتثمينه لأنه يتعلق بهويتها وتاريخ بلدها الجزائر.

إعداد: ميمي قلان 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى