
يطل الأستاذ الدكتور “لخضر بوخال” على المشهد النقدي العربي، بإصدار علمي جديد موسوم بـ “سيد المقامات”، وهو عمل فكري عميق يندرج ضمن مشروعه النقدي المتكامل، الهادف إلى زحزحة أنماط التفكير السائدة في كتابة التاريخ الأدبي العربي، واقتراح أفق معرفي بديل يقوم على إعادة الاعتبار لفعل التلقّي بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكّل النصوص ومساراتها الدلالية والتاريخية.
ولا يكتفي هذا الكتاب بإعادة قراءة التراث الشعري والنقدي من زاوية جديدة، بل يذهب أبعد من ذلك، حين يتأسّس على مقاربة تاريخ التلقّيات (History of Receptions)، بما تتيحه من إمكانات منهجية لإعادة مساءلة العلاقة بين النص، ومُنتجه، ومتلقيه، في سياقات ثقافية ومعرفية متحوّلة، ظلّ النقد العربي، قديمه وحديثه، يتعامل معها في الغالب تعاملاً هامشيًا أو ضمنيًا.
وفي هذا السياق، يوضّح البروفيسور “لخضر بوخال” أن اختيار عنوان “سيد المقامات” لم يكن اعتباطيًا، بل جاء بوصفه «عتبة دالّة» لدراسة تاريخية نقدية مغايِرة للسائد في النقد العربي الحديث والمعاصر. فالعنوان، بحسب المؤلف، يحيل إلى مركزية المتلقّي «السيّد/الآمر»، تلك الشخصية التي ظلّت مهمّشة في تاريخنا الأدبي والنقدي، رغم دورها الحاسم في توجيه حركة التأليف تحت الطلب، وفي تشكيل أنماط التلقّي العالِم للنصوص الشعرية والخطاب النقدي حولها.
ويكشف الكتاب، من خلال تتبّع تاريخ تلقّي المنجز الشعري لثلاثة من كبار شعراء العربية، عن تحوّلات دقيقة في صورة المتلقّي من السيّد السامع للشعر، إلى السيّد القارئ المُهدى إليه الكتاب النقدي، ثم إلى المتلقي الآمر بالتأليف، وصولاً إلى المتلقي الآمر العالم بالشعر. كما يقارب العمل، في ختامه، إمكان تأثير هذه الأشكال المتعدّدة للتلقّي والسماع والقراءة والتأليف في صياغة ما عُرف تاريخيًا بـ “عمود الشعر”، بوصفه بناءً جماليًا ومعرفيًا تشكّل في تفاعل دائم مع سلطة المتلقّي لا مع سلطة الشاعر وحده.
ويمثّل كتاب “سيد المقامات” إضافة نوعية للمكتبة النقدية العربية، بما ينطوي عليه من عمقٍ تحليلي، ودقّة منهجية، وجرأة فكرية محسوبة في تفكيك الموروث، بعيدًا عن منطق التمجيد أو الاستعادة، وقريبًا من أفق القراءة العلمية التأويلية التي تستأنف التراث ولا تستنسخه.
كما يعكس هذا الإصدار الحضور المتنامي لأساتذة جامعة النعامة في الحقل الأكاديمي العربي، ويؤكّد أن البحث العلمي الجادّ لم يعد رهين المركزيات الجامعية التقليدية، بل صار ثمرة رؤى معرفية واضحة، وكفاءات بحثية منتجة، ومشاريع علمية تشتغل على أسئلة كبرى بوعي منهجي ومسؤولية فكرية.
ويُعدّ البروفيسور “لخضر بوخال” أستاذًا للنقد الأدبي والدراسات الثقافية بجامعة النعامة، وباحثًا بارزًا في قضايا قراءة التراث الأدبي والنقدي العربي، وله إسهامات علمية معتبرة أسهمت في تجديد أسئلة الدرس النقدي، من بينها من أجل تاريخ جديد للشعر العربي (2022)، النقد الثقافي محاضرات وتطبيقات (2022)، سؤال التلقّي في تراثنا النقد (2024)
كما نشر عددًا من الدراسات والمقالات والترجمات في مجلات علمية جزائرية وعربية محكّمة، وأسهم في تعزيز الحوار المعرفي بين التراث والحداثة. ومؤخرًا، صدر له في سبتمبر 2025 عملٌ ترجميّ علميّ مهم لدراسة تاريخية حول الإسلام والتصوّف في الجزائر بعنوان Marabouts et Khouan المرابطون والإخوان للمؤرخ الفرنسي لويس رِين (Louis Rinn) الصادرة سنة 1884



