
خلص اليوم الدراسي الذي نظمته جمعية “نساء جزائريات مطالبات بحقوقهن”، المعروفة اختصارا بـ “فرد”، إلى أن المرأة في الجزائر رغم أن المشرع الجزائري خصّها بترسانة قانونية، تحميها من مختلف الاعتداءات، المظالم وكل أشكال العنف، إلا أنها مازالت تعاني من بعض الذهنيات التي تتعدى القانون. إلى جانب، جهلها أحيانا بحقوقها المحمية قانونا، لاسيما فيما يتعلق بالعنف الاقتصادي الذي مازال غير معروف بشكل واسع في المجتمع، لأن العنف الممارس عموما ضد المرأة، يقصد به العنف الجسدي أو اللفظي. في حين، هناك عدة أشكال للعنف مسلطة عليها، وهو ما يجعلها في تبعية اقتصادية.
وفي هذا الإطار، تناول اليوم الدراسي الذي نظمته جمعية “فرد”، واحتضنه مقر “آف-آي-أجانسي”، مقابل المؤسسة العمومية لطب العيون بوسط مدينة وهران، تحت شعار “المشاركة الاقتصادية للمرأة”، الجرائم الاقتصادية ضد النساء والفتيات في الجزائر من مختلف الأوجه، لاسيما القانونية منها، التي اعتبرتها الدكتورة “فاطمة بوفنيق”، عضو الجمعية من أخطر أشكال العنف غير المرئي في المجتمع، لأنها تمس الاستقلال المادي والكرامة الإنسانية للمرأة.

مضيفة، أن العنف ضد النساء لا يقتصر على الاعتداء الجسدي فقط، بل يشمل أيضًا الاستغلال المالي والحرمان من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وفي الجزائر، ورغم التطورات القانونية الأخيرة حسبها، ما تزال العديد من النساء يتعرضن لأشكال مختلفة من العنف الاقتصادي داخل الأسرة أو في بيئة العمل أو المجتمع.
موضحة أن الجرائم الاقتصادية ضد النساء، هي كل فعل يؤدي إلى حرمان المرأة من أموالها أو ممتلكاتها، السيطرة على دخلها أو راتبها دون رضاها، منعها من العمل أو التعليم، حرمانها من الميراث وحرمانها من النفقة أو السكن، وهو ما يعتبر وسيلة للسيطرة والإخضاع، لأنه يجعل المرأة في حالة تبعية اقتصادية دائمة.
مردفة في حديثها ليومية “البديل”، أن مظاهر الجرائم الاقتصادية ضد النساء والفتيات في الجزائر، تتمثل في الحرمان من الميراث، فرغم أن القانون الجزائري ينظم قضايا الإرث، إلا أن بعض النساء يُحرمن من حقهن في الميراث بسبب العادات الاجتماعية والضغوط العائلية، وهو قانوني عرفي في بعض المناطق من الوطن، كذلك الاستيلاء على راتب المرأة، فبعض النساء العاملات تعاني من فرض السيطرة على أجورهن من طرف الزوج أو أحد أفراد الأسرة، من خلال وضع ضغوطات من أجل تمكين الزوج أو أحد من العائلة بوكالة لاستلام الراتب، أيضا الحرمان من النفقة والسكن، فبعد الطلاق أو النزاعات الأسرية قد تجد المرأة نفسها دون نفقة أو مسكن، ما يعرضها للهشاشة الاجتماعية، خاصة عند بلوغ الأطفال السن القانوني للحضانة، حيث لا يمكن للأم البقاء في مسكن الزوجية.
حرمان المرأة من أموالها أو ممتلكاتها
فبالرغم من امتلاك بعض النساء لأملاك عقارية أو منقولة، قد تُمنع من استغلالها من طرف أزواجهن أو أحد أفراد العائلة، بسبب العادات الاجتماعية، الضغوط العائلية والتسرب المدرسي، حيث تعاني بعض الفتيات من الحرمان من التعليم بسبب الفقر أو الزواج المبكر، وهو شكل من أشكال العنف الاقتصادي والاجتماعي. ناهيك، عن التمييز في العمل والتحرش بهن، إذ إن بعض النساء تتعرض للتمييز في فرص التشغيل، الترقية والأجور مقارنة بالرجال.
ترسانة القوانين في مواجهة الذهنيات البالية
رغم أن الجزائر قامت بعدة تعديلات قانونية لحماية المرأة، خاصة بعد تعديل قانون العقوبات سنة 2015 وسنة 2024، وكذا تعديل قانون الأسرة 2005، أين تم تجريم بعض أشكال العنف ضد المرأة، والتي تتعلق بالعنف الأسري.
حيث أصبح التعدي على الزوجة ظرفًا مشددًا في تعديل 2015، الطرد من البيت الزوجي، فقد منح المشرع للزوجة حق البقاء في المسكن الزوجي، إلى حين توفير مسكن لممارسة الحضانة (قانون الأسرة)، والاستيلاء على ممتلكات الزوجة، عبر تعديل السرقة بين الأزواج، أين أصبحت تهمة قائمة عند إيداع الشكوى من طرف الزوجة (تعديل 2015)، إضافة إلى الإكراه الاقتصادي داخل الأسرة، إذ تم تعديل قانون العقوبات 2015 المادة 341 مكرر، أين أصبح التحرش حتى مع الزملاء في العمل ولا يشترط الرئيس مع المرؤوس. كما يكفل الدستور الجزائري، مبدأ المساواة بين المواطنين ويحمي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمرأة.
ومن جهتها، ذكرت “نادية آيت زاي”، أستاذة القانون لجريدة “البديل”، أن المشرع الجزائري رغم توفيره لكل المواد القانونية، التي تحمي المرأة الجزائرية خاصة المواد من 266 إلى 350، والتي تخص مكافحة العنف الممارس بكل أشكاله ضد المرأة وتصنيف بعضه جريمة، إلا أن بعض الذهنيات البالية ماتزال ترى في المرأة “قاصر”، لا يمكن منحها حريتها الشخصية والاقتصادية. كما يستدعي تنظيم برامج توعوية، جلسات ومنشورات إعلامية لنشر المعلومة وتوضيح وشرح القوانين التي تكفل حريتها واستقلاليتها المالية والاقتصادية.

جائحة كورونا… فرصة المرأة لإثبات استقلاليتها
وفي ذات السياق، ذكرت “كريمة علو” طالبة دكتوراه ليومية “البديل”، أنها في إطار تحضيرها لأطروحة الدكتوراه، قامت بدراسة ميدانية على عينة نسائية لولاية وهران، خلال فترة جائحة “كوفيد 19″، كشفت أن الكثير من النساء نجحت في إطلاق مشاريع من البيت، بفضل فترة العزلة التي فرضت خلال تلك الفترة، ما جعل الكثير من النساء تكتشف شغفها وتبدع في إنتاج أشياء، تحولت إلى مصدر دخل مستقل لها، خاصة ما تعلق بالصناعة الحرفية والتقليدية.
بينما وجدت البعض نفسها متوقفة عن العمل، وفي مواجهة البطالة وصعوبة توفير مصدر دخل، مما دفعها إلى العمل المنزلي أيضا، ورغم هذا، إلا أن النمو الاقتصادي عند المرأة مازال بطيئا، ففي نهاية عام 2020، مثّلت صاحبات الأعمال 7.96 بالمائة، من أصحاب الأعمال المسجلين في السجل الوطني للأعمال. وعلى الرغم من الأزمة، سُجّلت 7648 حالة تسجيل جديدة، لسيدات أعمال مقارنة بنهاية عام 2019، ما يُعدّ مؤشرا على زخم إيجابي.
رغم القوانين مازالت بعض الجمعيات تطالب بالمزيد من الإصلاحات
واعتبر المشاركون في الملتقى، أن التصدي للجرائم الاقتصادية ضد النساء، لابد أن تحارب بقوة، لأن تهميشها يخلف آثارا خطيرة على غرار انتشار الفقر بين النساء، التبعية الاقتصادية، ضعف المشاركة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التأثير النفسي وفقدان الثقة بالنفس، زيادة احتمالات التعرض للعنف الأسري، مشيرين إلى أن دور الدولة والمجتمع، في مكافحة الظاهرة يكمن في سن قوانين أكثر صرامة.
توفير مراكز حماية وإيواء للضحايا، تسهيل الوصول إلى العدالة، دعم تشغيل النساء وتمكينهن اقتصاديًا. أما دور المجتمع، فيشمل نشر الوعي بحقوق المرأة، محاربة العادات التي تميز ضد النساء، تشجيع تعليم الفتيات واستقلاليتهن الاقتصادية. إلى جانب دور الجمعيات، عبر مساهمة الجمعيات النسوية والحقوقية في تقديم الدعم النفسي والقانوني.
وتبقى المرأة رغم الترسانة القانونية، بحاجة إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتطبيق القوانين بفعالية، إضافة إلى دعم تمكين النساء اقتصاديًا واجتماعيًا.
أعدته: ميمي قلان



