
هي شابة في مقتبل العمر، خريجة كلية الحقوق بشهادة ماستر في الحقوق قانون جنائي وعلوم جنائية من جامعة “أحمد بن حمد وهران2″، مهووسة بعالم التحقيقات ومحاربة الجريمة، حلمها أن تصبح ذات يوم وزيرة للعدل، حتى تتمكن من تنفيذ ما يدور في خلدها من مشاريع تسمح ينشر العدل وتحقيق السلام، لا يغريها تخصص المحاماة، بقدر ما تسعى الشغل منصب امرأة تحقيق، حتى تتعمق في أسباب ودوافع الجريمة لتبحث لها عن حلول جذرية.
استغلت برنامج وزارة الشباب، بالتنسيق مع المجلس الأعلى للشباب الخاص بالبرنامج الوطني “ديزاد يونغ ليدرز”، الذي ضم منذ أيام 1000 شاب من مختلف ولايات الوطن، خضعوا لتكوين مكثف على مدار أسبوع بين ورشات تكوينية، جلسات حوارية، نقاشات مفتوحة وتدريبات ميدانية… سهر على تنفيذها مجموعة مهمة من الإطارات والكفاءات الجزائرية، التي لها بصمة واضحة في مجال نشاطها، إنها الشابة “خديجة سيدي عدة”.
عكس الأطفال… شغفها متابعة جلسات البرلمان
لم تكن طفولة “خديجة سيدي عدة” عادية كغيرها من الأطفال، شغوفة بالرسوم المتحركة، ولم تكن تغضب أو تصاب بالإحباط، حينما كان التلفزيون الجزائري يلغي حصة الأطفال الخاصة بالرسوم المتحركة من برنامج المشاهدة ليبث برامج أخرى.
فقد كانت تجلس أمام الشاشة الصغيرة، وتتابع باهتمام نقل جلسات النقاش البرلماني مباشرة، وهي تركز على طريقة النقاش وكيفية المرافعة والتدخلات التي يقوم بها النواب البرلمانيين، لاسيما المساءلة المباشرة الموجهة عموما للوزراء، كما تتابع بتركيز كبير طريقة الرد والإجابة على الأسئلة، بينما تقوم بالتقليد أحيانا وهي تحاول إيجاد حلول لمشكلة سمعت بها أو وقعت أمامها.

الحقوق دراستها… والتحقيقات أمنيتها
شعرت بسعادة عارمة تغمرها وهي تتلقى الإجابة بالموافقة على طلب التحاقها بكلية الحقوق بجامعة “أحمد بن حمد” وهران 2، سنة 2017، بعد نجاحها في اجتياز عتبة شهادة البكالوريا شعبة آداب وفلسفة، بثانوية “شلالي خديجة” بالمندوبية البلدية “بوعمامة”، المعروفة بـ”الحاسي”، التابعة لبلدية وهران.
وتخرجت بشهادة ماستر في الحقوق قانون جنائي وعلوم جنائية، آملة أن تلتحق بسلك القضاء، لتستطيع تجسيد حلمها بإجراء التحقيقات في عالم الجريمة، من أجل تفكيك خيوطها والوصول إلى الأسباب الحقيقية في ارتكاب الجرائم، من أجل العمل على إيجاد حلول لها، مع تسليط عقوبة القانون على الجاني أو مرتكب الجريمة، لينال جزاءه وتتحقق العدالة الحقيقية، كما أنه يكون عبرة لغيره كي لا يعيدوا نفس الأفعال التي يعاقب عليها القانون.
“خديجة سيدي عدة”، لا تكتفي بما درسته في الجامعة، فهي دائمة البحث عن الكتب ومتابعة الأفلام واللقاءات الإعلامية والبرامج التلفزية، التي تتناول عالم الجريمة، من أجل توسيع معارفها وإيجاد الإجابة على أسئلتها، ناهيك عن رغبتها في الإلمام بطرق التحقيق، وكيفية الحصول على إجابة وافية كافية ومقنعة من طرف الشخص المبحوث معه بطريقة ذكية، فيما يوحي بأنها تتجه لاستعمال الجانب النفسي المتعلق بنيل ثقة من تحقق معه لانتزاع الحقيقة بكل أريحية.
برنامج “ديزاد يونغ ليدرز” مكّنها من طرح فكرة مشروعها لمحاربة الجريمة
يعتبر البرنامج الوطني لتكوين الشباب “ديزاد يونغ ليدرز”، الذي أطلقته مؤخرا وزارة الشباب، بالتنسيق مع المجلس الأعلى للشباب فرصة ذهبية لي”خديجة سيدي عدة” وباقي الشباب المؤمن، بأن الجزائر أرض الفرص، ويمكن أن يحققوا أحلامهم بالقليل من البحث والتركيز على “السعي ثم السعي ثم السعي…”، وهو شعارها الذي تعتمده في تجسيد أحلامها.
“خديجة سيدي عدة”، رغم أن عمرها لا يتعدى 28 سنة، إلا أنها ترفض كل ما يثبط العزيمة ويزرع اليأس، لأنها تؤمن بأن السعي وراء الرغبة، وحده من يجسد الأحلام ويحول الأمنية إلى واقع.
فهي لم تركن إلى الراحة بعد تخرجها من الجامعة، بل انصرفت إلى ممارسة نشاطات أخرى، وبدأت في البحث والسؤال عن كل ما يمكن أن يمنحها فرصة لتثبت وجودها، وتترك بصمة في المجتمع، فكان مشروع تكوين الشباب “ديزاد يونغ ليدرز”.
حيث قامت بإرسال فكرة مشروعها الذي يحتوي على نشاطات، وبرنامج يساعد على الحد من الجريمة عبر المنصة الرقمية، فتم قبوله وتم اختيارها رفقة فريقها الذي يضم 10 أفراد، لينضموا إلى 1000 شاب، تم انتقاءهم من كل ولايات الوطن، للمشاركة في هذا البرنامج التكويني في طبعته الأولى التي حملت اسم المجاهد، الجنرال، الرئيس الأسبق “اليامين زروال”، الذي يمتد لسنة كاملة، بعدما شهدت انطلاقته أسبوع تكوين جمعهم بمركز الاتفاقيات الدولية “أحمد بن احمد” بوهران، سهر على تنشيطه مجموعة من المختصين والأساتذة والشخصيات التي لها أثر على البشرية.
لقد كانت فرصة استغلتها “خديجة” رفقة زملائها، أكسبتها أفكارا جديدة ومعلومات محينة، كما تعرفت على مختلف أساليب الحوار والنقاش وإيجاد الإجابة والردود على أسئلتها. كما أنها وجدت الكثير من الإجابات والمقترحات لتجسيد مشروعها المجتمعي “غير الربحي”، للحد من الجريمة، وذلك بالسعي للتنسيق مع مختلف القطاعات والمؤسسات والهيئات التي لها علاقة، من أجل احتواء الأفراد لاسيما المراهقين والشباب وإدماجهم في نشاطات، تسمح لهم بتفريغ طاقاتهم الزائدة، والتخلص من الطاقة السلبية ومنحهم الفرصة للتفكير بطريقة إيجابية، تعطيهم الفرصة ليتحولوا إلى مساهمين في تطوير المجتمع وأصحاب مبادرة لتجسيد أفكارهم عوض أن يبقوا عالة على الآخرين أو يتحولوا إلى مجرمين.

“نادي السلام” والمؤسسة الشبابية، المركب الرياضي الجواري “الإخوة جلاط”…. فضاءان لتفتيق الأفكار
تعتبر “خديجة سيدي عدة” كل من “نادي السلام” والمؤسسة الشبابية، المركب الرياضي الجواري “الإخوة جلاط” الواقعة بمندوبية بوعمامة، من أهم العناصر التي ساهمت في تأطير أفكارها وبعث مشروعها.
فقد انضمت وهي تدرس بجامعة “أحمد بن أحمد” وهران2 إلى نادي “السلام”، ومازالت عضوا نشطا به بعد تخرجها، لأنه يعتبر فضاء طلابيا مهمّا، يجمع كل الطلبة دون تمييز، ويفتح المجال لهم لطرح أفكارهم وتقديم مقترحاتهم بكل سهولة، مع منح المشاركة للجميع دون استثناء، وهو ما ساهم في تأطير الشباب ومنحهم فرصة التكوينات المجانية من خلال الاحتكاك، كالتواصل، التعارف، إدارة النقاشات، تنظيم النشاطات المختلفة، الجمع بين المستويات الفكرية والعمرية.
كما استغلت وجود مؤسسة شبابية بالمنطقة التي تسكنها، فكانت المؤسسة الشبابية، المركب الرياضي الجواري “الإخوة جلاط”، الفضاء الذي رحب بها على غرار باقي الشباب الذي يرغب في الالتحاق بأحد فروعه التنشيطية، لتنطلق في تكوين فريق خاص بها، وتبدأ في وضع أسس تنفيذ مشروعها الذي شاركت به في البرنامج التكويني الوطني “ديزاد يونغ ليدرز“، بعدما كانت عضوا نشطا بالمؤسسة المذكورة.
وتصر “خديجة” على أن المستقبل وتحقيق الحلم، لا يكون بالتركيز على ما تتم دراسته بالجامعة فقط، أو التخصص المختار منذ الصغر، بل المستقبل يجسد وفق المعطيات والإمكانيات المتوفرة، عبر استغلال الفرص المتاحة، وعدم التخلي عن الحلم الأساسي، مع اغتنام كل المعطيات لتعزيز المعارف وتنويع المصادر، لأنها تساهم ولو جزئيا في تحقيق النجاح.
وقد كان لها في عالم الفن والتمثيل والكتابة تجربة رائعة، سمحت لها باكتشاف موهبتها، التي لم تنتبه لها في الصغر حينما كانت عوض متابعة البرامج الموجهة لفئتها العمري، تتابع باهتمام وتركيز برنامج سياسي لا تفقه معناه الحقيقي، وإنما كانت تشدها طريقة الحديث وإدارة النقاش وكيفية طرح الأسئلة وطريقة الإجابة عنها، فقد اكتشفت ملَكة المواهب، على غرار التمثيل المسرحي والسنيمائي، الكتابة بأنواعها (خواطر، نصوص أدبية، قصص، تأليف المسلسلات والأفلام والمسرحيات)، الإلقاء الصوتي، التنشيط، التعليق الصوتي، تقليد رسوم المتحركة، الإخراج.
وتنصح “خديجة سيدي عدة” الشباب والمراهقين، بالالتحاق بالنوادي الرياضية والثقافية والمنظمات الجمعوية، من أجل الاستفادة من التكوينات المجانية التي تكسبهم الخبرة، مع ضرورة الالتحاق بالتكوين المهني للتمكن من التحكم في إحدى الحرف أو المهن، لاسيما وأن الدولة الجزائرية وضعت آليات وميكانيزمات مهمة تدعم الشباب من خلال تموين مشاريعهم عوض البقاء بالشارع، والانخراط في عالم الجريمة والانحراف والتسبب في مشاكل شخصية لهم ولعائلاتهم.
إعداد: ميمي قلان



