
يعتبر عيد الفطر من أقدس المناسبات الدينية بالجزائر، تحافظ على إحيائه الأسر الجزائرية بكل تفاصيله الموروثة عن الأجداد، رغم التحديات التي تطرأ بمرور الوقت، احتفالا بالانتهاء من صيام شهر رمضان الكريم وحمدا لله سبحانه وتعالى على منحهم القدرة على تحمل الجوع والعطش وتمتيضشعهم بالصحة والعافية، فهو شهر التعبد وروحي أكثر منه مادي، يتسابق فيه المسلمون على القيام بكل ما يقوي صلتهم بخالقهم عز وجل ويمتن رابطهم الديني، ويشجعوا أطفالهم على الصيام والقيام ليختتموا أيامه بالاحتفالات التي تجمع بين الدنيا والدين وتحافظ على التقاليد رغم التجديد.
ولأن شهر الصيام يعرف نمطا معيشيا خاصا تبدع فيه المرأة بمطبخها عبر وجبات الإفطار وأطباق السهرة، دعما وتشجيعا لأفراد أسرتها على مواصلة الصيام، فإنها تنهي أيامه الأخيرة بالتفنن في تحضير الحلويات والألبسة الخاصة احتفالا بنهايته في يوم عيد الفطر، الذي يكون مسك الختام، فيه يعايد الجميع بعضهم وتصلّح العلاقات وتنتهي الخلافات وتعود المياه إلى مجاريها وتصفى القلوب وتنتعش الجيوب بمنح الأطفال “العيدية” فرحا بهم….، غير أن المرأة الجزائرية لها طقوسها الخاصة في الاحتفال بعيد الفطر…..
رمضان ونكهاته الخاصة….
تمضي المرأة الجزائرية شهر رمضان في المزاوجة بين العادة والعبادة. فتجدها تنهض صباحا، تصرف أفراد عائلتها إلى وجهاتهم، منهم من يذهب للشغل، ومنهم نحو الدراسة، بينما يبقى الأطفال الصغار بالبيت عموما، فتبدأ بتشجيعهم على الصيام، من خلال تذكيرهم بأن الصوم يجعلهم كبارا ويمنحهم شرف الجلوس إلى طاولة الإفطار والذهاب إلى المسجد لأداء صلاة التراويح، وذلك قبل توجيههم إلى المدارس القرآنية والروضات، لتحضر لهم الفطور مع منتصف النهار.
يغتنم الأطفال هذه الفرصة، فيبدؤون في التفاخر بينهم بجمع أنصاف الأيام التي صاموها ليحصلوا على الأيام كاملة الصوم، وهي الحيلة التي تعتمدها العائلة الجزائرية لتعويد أبناءها على الصيام ومقاومة الجوع والعطش بكل شجاعة، كما أنها تنظم احتفالية صغيرة بمناسبة صيامه أول يوم في حياته، من خلال طقوس مميزة، غالبا ما تكون خاتم من الذهب بالنسبة للفتاة يوضع في قاع كأس الحليب، ومبلغ مالي بالنسبة للذكر، إضافة إلى لباس جديد يميز إفطاره وطبق طعام مفضل لديه، إضافة إلى توزيع الحلويات وطبق طعام على الجيران احتفالا به. أما بالنسبة ليوميات رمضان، فإن المرأة الجزائرية تبدع في تحضير الأطباق على مائدة الإفطار، خاصة الفتيات في تنافس بينهن لإبراز قدراتهن في تزيين مائدة الإفطار وتميز كل واحدة ببصمتها الخاصة، لاسيما ما تعلق بالأطباق المصاحبة للطبق الرئيسي الذي لا يخرج عن حساء يختلف في مكوناته وتتنوع أسماءه بتنوع مناطق الوطن الشاسع، من طبق الجاري أو الفريك بالشرق الجزائري، إلى الشربة بالوسط، مرورا إلى “الحريرة” بالغرب وصولا إلى “الحسوة” بالجنوب الكبير. وهو الطبق الذي يتم تناوله مباشرة بعد آذان المغرب بينما يفضل الكثير تناول بقية الأطباق بعد العودة من المسجد عقب الانتهاء من أداء صلاة التراويح، كما أن مائدة السهرة تعرف تنوعا كبيرا في مكوناتها التي أساسها الحلو والسكريات المصاحبة للقهوة والشاي وكذا المشروبات…. بينما يبقى الاتفاق شبه موحد بين الجزائريين حول طبق “السحور” الذي يكون غالبا “كسكس” بالحليب، الرائب أو اللبن، أو ما بقي من طعام الإفطار، والبعض يفضل ارتشاف فنجان قهوة حفاظا على مزاجه بقية اليوم وتجنبا للصداع الذي ينتجه نقص الكافيين.
أواخر رمضان… تمهيد للعيد
وبينما تتوالى أيام الصيام، ويقترب شهر رمضان من النهاية، توسع المرأة الجزائرية دائرة نشاطها داخل البيت، فتنتقل من الإبداع في تزيين مائدة الإفطار إلى الانطلاق في تحضير الحلويات إيذانا في الاحتفال بعيد الفطر.
حيث تبدأ الجزائرية في حملة تنظيف خاصة بالبيت بعدما تكون سبقتها حملة مماثلة قبل دخول شهر رمضان، كما تقوم خلال الليلة السابقة ليوم العيد بتغيير ديكور غرفة الجلوس حتى تستقبل الضيوف للمعايدة في أبهى حلة، في وقت تقوم بعض العائلات بإعادة دهن البيت وحتى إدخال تعديلات على أجزاء منه، وهي الفرصة التي تستحسنها النساء لإظهار جمالية الأفرشة والديكورات. كما تستغل المرأة الفرصة للتسوق لاقتناء آخر ما جادت به سوق الأواني من أطقم القهوة والمشروبات، بينما تقوم نساء أخريات بإعادة استخدام الطقم المخصص للضيوف في حال لم تسمح لها ميزانيتها بشراء الجديد.
كما يتم التركيز في الأيام الأواخر على شراء المواد الأساسية الخاصة بتحضير الحلويات لعيد الفطر.
الحمّام والحلاقة… سباق النساء للتجميل
مع اقتراب يوم العيد، ومع آخر أيام الصيام، تتحول الحمّامات والمرشات إلى فضاءات تشهد زحاما تصنعه النسوة بحقائبهن، في تسابق محموم للاستحمام، والتوجه إلى محلات الحلاقة من أجل الخضوع لجلسات التجميل التي تمتد من أظافر القدمين إلى آخر صيحات الموضة في ألوان الشعر وتسريحاته مع القصات التي تبدع فيها أنامل الحلاقات.
تستغل المرأة الفرصة للقيام بكل ما يظهر زينتها ويبرز مفاتنها لتنافس نظيراتها في ميدان الجمال والموضة بعد شهر العبادة والطبخ والتنظيف، فيتحول يوم العيد إلى مناسبة للمعايدة وإظهار الزينة بالتجميل وارتداء أجمل الملابس، هذه الأخيرة التي ينتعش سوقها، خاصة بالنسبة للخياطات تبعا لرغبة الزبونة التي تبحث عن لباس لا يشبه لباس غيرها سواء في اللون أو نوع التفصيل… وذلك في إشارة إلى رقي ذوقها وتميزها في اختيار ما يناسبها ويزيد من جمالها. في الوقت الذي تتفنن فيه الحلاقات في إبراز آخر ما جاد به عالم ألوان الشعر وأكسسواراته، خاصة ما تعلق بالخصلات المضافة والتي تفضلها النساء اللواتي شعرهن قصير أو اللاتي ترفض تلوينه والحفاظ عليه طبيعيا، إضافة إلى الخضوع لعمليات تنظيف البشرة وحتى إدخال تعديلات على مظهره الوجه كالفيلر بالنسبة للشفاه، وهي عملية تخص نفخها لتظهر محددة ولامعة إضافة إلى تلوينها، رفع الحاجبين وتلوينهما عن طريق تحديدهما وإخضاعهما لما يعرف ب”البليدينغ”، وكذا نفخ الخدود أو ما يعرف بالبوتوكس، وهي العمليات التجميلية التي بدأت في الانتشار في الفترة الأخيرة تماشيا مع ما يحدث من تغييرات في عالم التجميل.

“الحناء”… الراعي الرسمي للعيد
ورغم كل مظاهر التزيين والتجميل التي تحرص المرأة الجزائرية على الخضوع لها لإظهار زينتها ومدى مواكبتها للتطور الحاصل في عالم الزينة، إلا أن تقاليد الجدات مازالت تهمين على مظاهر الاحتفالات والمناسبات السعيدة، وفي طليعتها “الحناء”.
تتحول ليلة العيد إلى سهرية خاصة تصنع أحداثها الجدات أو الأمهات عموما بتحضير “الحناء” وأغطية اليدين والرجلين، فتفوح رائحتها معلنة أن الصبيحة الموالية هي موعد ارتداء الألبسة الجديدة والاجتماع حول طاولة القهوة بعد أداء صلاة العيد. تقوم الجدات بتحضير “الحناء” عن طريق مزجها بالماء، وإضافة بعض العناصر التي غالبا ما تبقى سرية، من أجل ضمان لون أحمر تتغير درجاته تبعا للإضافة التي أدرجت معها، بينما تبقى الإضافات الغالبة في كل البيوت الجزائرية تعتمد على عصير الليمون الطازج، الحليب وحتى قطرات بنزين…. لتضعها كل النسوة والأطفال تيمنا بالخير والبركة والسعادة، فتغطي الكفين والقدمين، بينما القلة القليلة من الشباب يضعون دائرة مصغرة في إحدى اليدين، بينما الرجال عموما يضعونها لأقدامهم ليس زينة وإنما علاجا. ولأن “الحنة” هي الراعي الرسمي للمناسبات السعيدة رغم كل التطورات في عالم الموضة، فإن فتيات اليوم أصبحت تتفنن في وضعها على الكفين والقدمين من خلال النقوش المختلفة التي تبدعها، إضافة إلى استعمال “الرشمات” التي تباع خصيصا لها، وأصبحت تزين اليدين والأرجل على شكل رسومات تشبه الوشم تزول بمرور الأيام.
الستوريات… فرصة للإبداع وجمع اللايكات
أمام الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي والاستخدام الكبير لتكنولوجيا الرقميات، تحول الهاتف الذكي إلى أداة تصوير الحياة اليومية لمعظم الناس، فأصبح الجنس اللطيف يتهافت على جمع الإعجابات المصاحبة للصور والفيديوهات الملتقطة لكل تحركاتهن وما تقوم به يوميا لاسيما الترويج لمنتجاتهن في إطار التسويق الإلكتروني وكسب زبائن جدد، بعدما كان في البداية الظهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي حكرا على الذكور.
وبمجيء يوم العيد تتحول صفحات تجهيزات الاتصال الرقمية إلى لوحات نزينها الألوان والأشكال المبرزة لآخر صيحات توظيب طاولات القهوة التي تزينها حبات الحلوى المشكلة والمزينة بكل أنواع التزيين، إضافة إلى إظهار الألبسة وجلسات المعايدة والقعدات التي تتوسطها الجدات، اللواتي تحتفي بأحفادهن وتعايدهن بقطع نقدية فرحا بهم لاسيما من صاموا لأول مرة…. وتكون مائدة الغداء متوسطة بصحن الكسكس المرصع بالزبيب والخضر تتزعمها قطع اللحم…
ويستمر يوم العيد بلايفات مباشرة وتناقل للإهداءات المباشرة في منافسة للقنوات التلفزية التي كانت ملاذ المواطنين الذين يتناوبون على الاتصالات الهاتفية لمعايدة الأهل والأقارب، متمنين اللقاء واللمة في أحسن وأجمل الظروف خلال رمضان القادم بإذن الله…
إعداد: ميمي قلان



