
احتفالية مميزة شهدها حي الحديقة العريق لمتليلي الشعانبة بولاية غرداية، حيث جرت مراسم زفاف 32 عريسا في عرس جماعي جمع بين الأصالة العريقة والموروث الثقافي التراثي، والأجواء الدينية الروحانية من تلاوة ومتون وأهازيج وفروسية وتوابعها.
كالعادة، يسبق الحدث الرئيسي للعرس الجماعي، نشاطات تضيف لمسات تراثية تتثمل في مهرجان الفروسية والبارود والفولكلور بمختلف ألوانه وطبوعه، وتنطلق الفانتازيا بطلقات البارود، وسباق الخيل والمهاري بمجرى الوادي، ولقد أقيمت تظاهرة الفروسية والفنتازيا عشية ربيعية مشمشة، في جو الهواء الطلق المنعش.
يعد العرس الجماعي من ضمن العادات والتقاليد العريقة المعروفة والمتوارثة في تراب متليلي الشعانبة بصحراء الجنوب الجزائري بمتليلي الشعانبة أرض البطولات، ومهد الأصالة والفروسية المنبثقة من سليل الثوار الأشاوس الأحرار خاصة. وهو أيضا مناسبة لترسيخ قيم التضامن والتكافل بين أبناء الحي، وفرصة لرسم البسمة على وجوه العرسان وعائلاتهم. العرس الجماعي ليس مجرد احتفال، بل هو رسالة قوية عن التلاحم الاجتماعي، وقيم التعاون التي يتميز بها المجتمع الشعانبي عامة.

التحضيرات والاستعدادات للعرس الجماعي
ككل سنة وطبعة وحدث، يعكف سكان حي الحديقة عامة وشبابهم خاصة، يتقدمهم الرجل الوقور الخدوم “قندة الحاج مبروك بن حمو”. فارس الميدان كعادته الذي لا يكل ولا يمل ولا تجد حدث، إلا وهو حاضر فيه ببصمته المنقوشة على خطى سلفه رحمهم الله.
رفقة باقي شباب مختلف أحياء متليلي الشعانبة، في تلبية النداء واستجابة لحاجة الضرورة لأجل نجاح الطبعة وتشريف الحي كعادتهم. من خلال ما يساهمون به بروح تضامنية فردية وجماعية في تنظيم هذا الحدث، من تهيئة المكان وتنقيته من الحجارة والأتربة وتركيب المنصة وتزيينها بباقي الأماكن، وتعليق مصابيح الإنارة. وتواصلت في أجواء مليئة بالتكافل والتضامن التآزر، جهود سواعد الخيرين في جو فرح وسرور وغبطة لا يوصف، لأجل إنجاح هذا الحدث المميز الذي يعكس روح التضامن والمحبة بين الجميع.
عقد القران الشرعي
لقد تم عقد القران الشرعي للعرسان المسجلين بحدث الطبعة الـ 9، بمسجد “حمزة بن عبد المطلب” بحي الحديقة الثوري العريق. بعد صلاة العصر، بحضور مشايخ المدينة بحضور رئيس بلدية متليلي الشعانبة “الحاج إبراهيم بوعامر”. والعرسان وذويهم وكلائهم وأصهارهم وضيوف الحدث من داخل الولاية وخارجها من باقي مناطق الوطن.
إضافة إلى جمع من المواطنين، الذين شاركوا الفرحة في أجواء يسودها التآخي والتكافل. وتندرج هذه المبادرة، في إطار تعزيز قيم التضامن الاجتماعي وإحياء سنة الزواج الجماعي بما يعكس روح التعاون والتآزر بين أبناء المنطقة.

محاضرات ومواعظ
كعادة كل طبعة، يكون النشاط الديني الدعوي التوعوي حاضرا مضيئا أرجاء المكان، وبمناسبة طبعة العرس الجامعي لمسجد “العباس” الـ9، قام البروفيسور فضيلة الشيخ “الحاج لخضر بن قومار”، أستاذ بجامعة غرداية ورئيس المجلس العلمي لمديرية الشؤون الدينية والأوقاف بولاية غرداية، بتنشيط محاضرة تتضمن مواعظ ونصائح وتوجيها للجميع وللعرسان الجدد خاصة.
إضافة إلى مداخلة دكتور ضيف من الجزائر العاصمة ، وفضيلة إمام مسجد “العباس بن عبد المطلب” بحي الحديقة. وبختام المحاضرة واستعدادا للتتويج وفعالياته وتناول وجبة العشاء، أقيمت صلاة العشاء جماعة بعين المكان.
حدث الطبعة 2026 الـ9 للعرس الجماعي بحي الحديقة متليلي
احتضن حي الحديقة العريق ببلدية متليلي الشعانبة ولاية غرداية، فعاليات العرس الجماعي في طبعته الـ9، بتتويج 32 عريسا وسط حضور جمع غفير رسمي لآلاف الناس في شكل لافت ومبهر، تقدّمهم “عبد الله أبي نوار” والي ولاية غرداية والحاج “سعيد” رئيس المجلس الشعبي الولائي.
إلى جانب وفد السلطات الأمنية والعسكرية ونواب البرلمان بغرفتيه القدامى والحاليين، وضيوف الطبعة من كل الجهات وبمشاركة واسعة من مواطني المدينة وساكنيها وباقي المدن المجاورة.

لحظة التتويج بتاج ملك الأسبوع المنتظرة ليلة العمر
تعد لحظة دخول العرسان للتتويج في العرس الجماعي، من أغلى اللحظات وأصعبها فرحة وبهجة وسعادة لا توصف، ولا يمكن التفريط فيها. وبعد تناول وجبة العشاء وهي المأدبة التقليدية لطبق الكسكسي المفضل وجمع شمل الجميع. افتتحت فعاليات الطبعة بكلمة ترحيبية من تنشيط الأستاذ “بن صيفية علي” بطلاقة وسلاسة، بعذب الكلمات التي رددت صداها جبال الحديقة الشامخة المجاورة والمحيطة من كل الجهات وكأنها تعلن فرحتها مع العرسان. وكلمة رئيس البلدية “الحاج إبراهيم بوعامر” الترحيبية لتهنئة العرسان، بتلاوة عطرة لفارس القرآن وصاحب الحنجرة الذهبية الصادحة المقرئ الأستاذ “ليود حمزة”، أين شنف مسامع الحضور وهدأ النفوس بما تسير من الذكر الحكيم.
وبعدها تقدمت كوكبة العرسان الـ 32 ، واعتلت منصة التتويج، أين تم التعريف بهم للجمهور وتحديد أماكنهم بالترتيب. كما تقضي العادة المتوارثة منذ عقود خلت. أمام جموع المدعوين بمعية متوجيهم وزرائهم المختارين لتتويجهم المعروف بالتلباس. حاملين حقائب ملابسهم الجديدة. أين يشرع في تلبيسهم وتتوجيهم على نهد قصيدة البردة للإمام “البصيري” رحمه الله وطيب ثراه، بحضور مشايخ وأئمة المدين والوافدين من باقي الجهات وطلبة المدارس القرآنية.
وتشمل مراسم تلباس العرسان الملابس التقليدية المخصصة، والمكونة من طاقم معين يضم القندورة والمحرمة الحمراء والبرنوس الأبيض والتاج رمز التتويج والسيف رمز الانفة والذود والدفاع عن الشرف وإعلان استعداده لأي طارئ لا قدر الله من ساعتها.
ستظل عادة التلباس مبادرة طيبة من عادات وتقاليد مدينة متليلي الشعانبة عامة، ويسير شبابنا على خطى السلف ونهج أثرهم الطيب، تشتهر بها ساكنة قلعة الثوار الأشاوس الأحرار. مدينة متليلي الشعانبة بولاية غرداية في كل سنة تحضر لعديد طبعات الأحياء، توارثوها من جيل لآخر منذ عقود خلت عن الزمن الماضي.
ويبقى الهدف منها، ترشيد النفقات وتقليل المصاريف المرهقة والمثقلة لكاهل العريس وأسرته، وذلك بتسهيل تكاليف الزواج للعروسين وتنمية روح التعاون والتضامن والتكافل الاجتماعي، والتلاحم بين سكان المدينة. وذلك هي من شيم وقيم أخلاق المجتمع الشعانبي الحر والعربي الأصيل. السباق للعمل الخيري.
ولقد باتت هذا التظاهرة الاجتماعية الإنسانية بالدرجة الأولى، تنتشر وتتوسع من حي لآخر. تطبيقا للمبادرة والتنافس فيها على هذا العمل الخيري، الذي يعرف تنافسا كثيرا لا مثيل له.
وشهدت التظاهرة تنظيمًا محكما كبيرة لكل المناحي في مختلف مراحلها، مما عكس الجهود المبذولة من طرف القائمين عليها وروح التضامن والتكافل الاجتماعي. كما ساهمت هذه المبادرة في إنجاح الحدث، الذي أضحى تقليدا سنويا راسخا، يعزّز قيم التآزر وينشر أجواء الفرح الجماعي بين أفراد المجتمع.
وبختام التتويج وتهاني العرسان من طرف والي الولاية وباقي الحضور، وتسليمهم هداياهم وشهاداتهم الشرفية التقليد السنوي لكل طبعة، وعلى وقع النهائي والتباريك والصور الفتوغرافية الفردية والجماعية. وبالدعاء الشامل، أسدل الستار على فعاليات حدث الطبعة الـ9 للعرس الجماعي لمسجد “العباس” بحي الحديقة بمتليلي الشعانبة.
بقلم: الأستاذ الحاج نورالدين أحمد بامون



