في ظل التحولات التي يعرفها الفعل الثقافي محليًا، تبرز جمعية نسائم الجنوب بالمنيعة كنموذج يعيد تعريف دور المبادرات الجمعوية، حيث لم تعد تقاس بعدد الأنشطة فحسب، بل بقدرتها على خلق ديناميكية مستدامة تُعيد الاعتبار للثقافة كعنصر مركزي في التنمية المحلية.
من هذا المنطلق، يندرج تدشين جمعية نسائم الجنوب الثقافية لمكتبها الجديد بالمنيعة، كمؤشر على انتقال المجتمع المدني من منطق الحضور الرمزي إلى الفعل المنظم والمؤثر.
الحدث، الذي احتضنته ساحة جنان البايليك، لم يكن مجرد افتتاح إداري. بل شكل تظاهرة ثقافية متكاملة، عكست رؤية واضحة لدور الثقافة في صون الهوية وتعزيز التماسك الاجتماعي. فقد جمع البرنامج بين ورشات إبداعية، معرض للحرف التقليدية، فضاءات للكتاب، وأنشطة تحسيسية، في مشهد يؤكد أن الثقافة حين تُدار برؤية تشاركية تتحول إلى قوة ناعمة لإعادة تنشيط الفضاء العام.
اللافت في التظاهرة، هو التركيز على تثمين التراث المحلي بوصفه موردًا ثقافيًا واقتصاديًا في آن واحد، من خلال إشراك جمعيات وحرفيين يمثلون مختلف أوجه الموروث التقليدي. و عكست مشاركة جمعية أولاد معمر الحرفية بلكحل خضراء، إلى جانب عدد من الحرفيات المختصات في الطراز، الخياطة، الأشغال اليدوية والتوابل، هذا التوجه الذي يربط الهوية بالعمل والإنتاج، لا بالحنين فقط.
كما برز البعد التوعوي في تخصيص أجنحة للكتاب وللتحسيس بمخاطر الآفات الاجتماعية، في مقاربة تُظهر وعيًا بدور الثقافة كأداة وقائية وتربوية، خاصة لدى فئة الشباب. وتكامل هذا البعد مع الحضور البيئي، من خلال مشاركة جمعية شباب المنيعة لحماية البيئة والتراث، ما يعكس تداخل القضايا الثقافية مع الرهانات البيئية والتنموية.
الحضور الرسمي المعتبر للتظاهرة، والذي ضم مسؤولين من قطاعات الثقافة، المجاهدين، الصناعة التقليدية، النشاط الاجتماعي، والمجلس الشعبي الولائي، حمل دلالات سياسية ومؤسساتية واضحة، مفادها أن العمل الجمعوي الثقافي أصبح شريكًا موضوعيًا في تنفيذ السياسات العمومية ذات البعد الثقافي والهوياتي.
وفي هذا السياق، شدد مدير الثقافة والفنون لولاية المنيعة، على أن مثل هذه المبادرات تمثل رافعة أساسية لإبراز الطاقات المحلية وحفظ التراث، فيما اعتبر مدير مديرية المجاهدين، أن الثقافة تشكل أحد أعمدة ترسيخ الذاكرة الوطنية وبناء الوعي الجماعي، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة.
من جهتها، أوضحت رئيسة جمعية “نسائم الجنوب”، “بن عبد الرحمان فضيلة”، أن افتتاح مكتب الجمعية يندرج ضمن رؤية بعيدة المدى تهدف إلى “جعل الثقافة عنصرًا فاعلًا في التنمية المحلية، وليس نشاطًا موسميًا”. مؤكدة أن الجمعية تراهن على العمل التشاركي مع مختلف الفاعلين والمؤسسات، من أجل ترقية الصناعات التقليدية، حماية التراث المادي واللامادي، وترسيخ ثقافة المواطنة.
ويعكس هذا المسار، أن جمعية “نسائم الجنوب” تسعى إلى إعادة رسم حدود الدور الجمعوي الثقافي، عبر الانتقال من التنظيم الظرفي للتظاهرات إلى بناء مشروع ثقافي محلي مستدام، يجعل من المنيعة فضاءً حيًا للإبداع، ورافدًا من روافد الحفاظ على الهوية الوطنية في بعدها المحلي والوطني.
الهوصاوي لحسن



