
في وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية ويعاد فيه تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة، يطرح سؤال البحث العلمي نفسه بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم المجتمعات وتوجيه سياساتها المستقبلية. في هذا السياق، أجرت جريدة “البديل” لقاء حصريا مع الباحث والممارس الاجتماعي “حمود أمجيدل”، الذي ينتمي إلى جيل من الباحثين العرب الذين تشكل وعيهم العلمي في الميدان قبل القاعات الأكاديمية، ويقاربون البحث بوصفه ممارسة حية مرتبطة بالناس لا مجرد نشاط نظري معزول.
من خلال هذه المقابلة، تتقاطع قضايا البحث العلمي مع الرقمنة، والتحول المعرفي، والذكاء الاصطناعي، في محاولة لفهم موقع الباحث العربي داخل منظومة عالمية تتغير بوتيرة متسارعة
باحث من الميدان لا من المكاتب
يرى “حمود امجيدل” نفسه باحثا عمليا قبل أن يكون أكاديميا تقليديا، فقد تشكّلت رؤيته البحثية من سنوات طويلة من العمل في مجالات العمل الاجتماعي والحماية، ومن الاحتكاك المباشر بمجتمعات عاشت أزمات معقّدة.
هذا القرب من الواقع، كما يوضح، جعله يؤمن بأن البحث العلمي لا يولد من خلف المكاتب، بل من الميدان، من القصص اليومية للناس، ومن التفاعل المباشر مع التحديات الاجتماعية المتغيرة.
بالنسبة إليه، المعرفة الحقيقية لا تتشكل في عزلة، بل حين تمتزج النظرية بالممارسة، وحين يتحول البحث إلى أداة لفهم المجتمع لا مجرد أوراق للنشر. من هذا المنطلق، يعرّف البحث العلمي بوصفه فنًا لطرح الأسئلة قبل تقديم الأجوبة، وعملية تفكير مستمرة تهدف إلى فهم الظواهر كما هي، بعيدًا عن الافتراضات الجاهزة.
ويؤكد أن المجتمعات العربية، في ظل التحولات السريعة التي تعيشها، بحاجة ملحّة إلى هذا النوع من التفكير النقدي، لا سيما في ظل ضعف الدراسات العميقة التي تواكب التغيرات الاجتماعية. وقد شكّلت تجربته في مشاريع الإثنوغرافيا والحياة اليومية محطة مفصلية لفهم التفاعلات الدقيقة بين الأفراد والظواهر الاجتماعية المتحوّلة، وهو ما عزز قناعته بأن البحث العلمي أداة تفسير للواقع قبل أن يكون مسارًا أكاديميًا.
من التجربة الأكاديمية إلى الأسئلة الكبرى للواقع العربي
بدأت علاقة “امجيدل” بالبحث العلمي خلال مرحلة الماجستير، عندما خاض أول تجربة ميدانية شملت المقابلات والملاحظة وتحليل البيانات. آنذاك، لم يكن يدرك تمامًا عمق أهمية البحث، لكن التجربة غيّرت نظرته للعالم، وجعلته يرى الواقع من زوايا أكثر تركيبًا. مع مرور الوقت، تحوّل البحث إلى مهارة يومية رافقته في عمله داخل البرامج الاجتماعية، حيث لاحظ تحسنا واضحا في قدرته على التحليل والتخطيط واتخاذ القرار.
هذا الوعي جعله يعتبر البحث العلمي مهارة حياة، لا حكرا على الأكاديميين، ورغم التحديات التي يواجهها الباحث العربي، يرى أن الدافع للاستمرار يكمن في كثرة الأسئلة غير المجابة داخل المجتمعات العربية. فالكثير من الظواهر تُناقش إعلاميًا أو اجتماعيًا، لكنها نادرًا ما تُدرس بمنهجية علمية. كما يشير إلى أن واقع المنطقة العربية غير ممثّل بما يكفي في الدراسات العالمية، ما يخلق فجوة معرفية حقيقية.
وعند تقييمه لواقع البحث العلمي العربي، يصفه بغير المتوازن، حيث تتجاور مراكز بحثية متقدمة مع مساحات واسعة من التراجع، وتُمنح الأولوية في بعض الدول لمجالات محددة مثل الطاقة أو الصحة، بينما تُهمّش العلوم الاجتماعية. ويؤكد أن المشكلة لا تكمن فقط في التمويل، بل في غياب الرؤية، وضعف البيئة البحثية، وعدم استقرار الدعم، إضافة إلى مفارقة امتلاك بعض الباحثين للحرية دون التمويل، أو التمويل دون الحرية، في مقابل منح الاثنين معًا للباحث الأجنبي.
عوائق الباحث العربي بين المؤسسات والتمويل
يواجه الباحث العربي، وفق “امجيدل”، عوائق متشابكة تبدأ من ضعف الوصول إلى الدوريات العلمية المدفوعة، مرورًا بضعف التدريب القائم على التفكير النقدي، وصولًا إلى ضيق الوقت نتيجة الأعباء الوظيفية والإدارية، كما يشكل غياب البيئة المحفزة والبيروقراطية الثقيلة عائقًا إضافيًا، إلى جانب محدودية فرص التعاون الدولي.
أما الجامعات العربية، فيرى أن بعضها يحقق تقدمًا ملحوظًا، خصوصًا تلك التي انخرطت في شراكات دولية، لكن الغالبية لا تزال تنظر إلى البحث كشرط للترقية لا كمهمة مجتمعية. وينعكس نقص التمويل بشكل خاص على البحوث التطبيقية، رغم أن المشكلة الأساسية تكمن في سوء إدارة الموارد أكثر من قلتها.
وفي هذا السياق، يؤكد أن القطاع الخاص قادر على لعب دور محوري، غير أن العلاقة بينه وبين البحث العلمي لا تزال هشّة، بسبب ضعف الثقة وغياب الوعي بقيمة الاستثمار المعرفي. كما ينتقد تركيز مؤسسات البحث على مشاريع قصيرة الأمد ومواضيع آمنة، وغياب الشفافية والمتابعة، ما يؤدي إلى بحوث لا تُترجم إلى سياسات عامة.
ورغم التحديات، يشير إلى تحسن تدريجي في حضور الباحث العربي بالمجلات العالمية، مع بقاء عقبات اللغة والدعم المؤسسي قائمة. أما هجرة الأدمغة، فيراها خسارة نسبية يمكن تحويلها إلى فرصة عبر الشراكات، مستشهدًا بتجارب باحثين عادوا إلى بلدانهم ونقلوا خبراتهم وأسّسوا مجموعات بحثية جديدة.
الذكاء الاصطناعي والرقمنة: فرصة مشروطة للبحث العربي
يؤكد “امجيدل” أن الباحث العربي يمتلك القدرة على منافسة نظيره الغربي متى توفرت البيئة الداعمة، والدليل نجاح كثيرين في جامعات أجنبية. ويرى أن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يفتحان آفاقًا واسعة أمام البحث العلمي العربي، خصوصًا للباحثين العاملين في ظروف محدودة، إذ تتيح هذه الأدوات تحليل البيانات وتحسين الكتابة العلمية بكلفة أقل.
لكن هذه الفرصة تصطدم بضعف جاهزية المؤسسات العربية، التي لا تزال تعتمد على الأساليب التقليدية، وتعاني من نقص التدريب والبنية التحتية. ورغم ذلك، يلمس تزايدا في وعي الباحثين الشباب بأهمية المهارات الرقمية، ما يمنحه تفاؤلًا بإمكانية اللحاق بالتحول الرقمي.
ويرى أن أول إصلاح حقيقي يبدأ بتحرير الباحث من الأعباء الإدارية والتدريسية، ومنحه وقتًا فعليًا للبحث، مؤكدًا أن النتائج تتحسن فور توفير المساحة والدعم. ويوجه رسالة للباحثين الشباب بعدم استعجال النتائج، وباعتبار البحث مسارًا طويلًا قائمًا على الصبر والتعلّم المستمر، مع أهمية التعاون وتطوير الأدوات لمواكبة عالم سريع التغير.
يخلص “حمود امجيدل” إلى أن البحث العلمي ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية لمستقبل البلدان العربية، فهو الطريق لفهم الأزمات وتجاوزها، وبناء سياسات قائمة على المعرفة لا الحلول المؤقتة. وفي عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، يصبح الاستثمار في البحث استثمارًا في الإنسان العربي ذاته، وفي قدرته على إنتاج معرفة تواكب العصر وتصنع مستقبلًا أكثر عدالة ووعيًا.
بن عبد الله ياقوت زهرة القدس



