
لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي، ترفاً تقنياً أو موضوعاً خاصاً بالمهندسين والمبرمجين. خلال فترة قصيرة، تحولت أدوات مثل “ديب سيك” وغيرها إلى مساعدين يوميين لملايين المستخدمين حول العالم، لكن وسط هذا الانتشار السريع، يبقى السؤال الأهم هو كيفية استخدام هذه الأدوات بطريقة صحيحة.
يبرز النموذج الصيني “ديب سيك”، كأداة قادرة على الإجابة، التحليل، البرمجة، الترجمة وشرح المواضيع المعقدة بلغة بسيطة، وهذا ما جعله قريباً من المستخدم العادي، لا من المختصين فقط. غير أن قوته لا تعني أنه معصوم من الخطأ، ولا أن كل ما يقدمه يجب أن يؤخذ كما هو.
أول قاعدة في التعامل مع ديب سيك أو أي أداة ذكاء اصطناعي، هي أن تنظر إليه كمساعد ذكي، لا كمرجع نهائي. يمكنه أن يرتب لك الأفكار، يقترح عناوين، يشرح معلومة، أو يساعدك في صياغة نص، لكنه قد يخطئ في التاريخ، الرقم، الاسم، أو حتى في فهم السياق. لذلك، كل معلومة مهمة يجب أن تمر عبر المراجعة، خاصة إذا كانت مرتبطة بالصحة، القانون، المال، الدراسة أو الأخبار.
والنصيحة الثانية، التي يغفل عنها كثيرون، هي أن جودة الجواب تبدأ من جودة السؤال، عندما تسأل ديب سيك سؤالاً عاماً مثل: “اكتب لي عن التكنولوجيا”، ستحصل غالباً على جواب عام. أما إذا قلت له: “اكتب لي مقالاً صحفياً مبسطاً عن تأثير الذكاء الاصطناعي على الطلبة، مع أمثلة واقعية”، فستكون النتيجة أفضل بكثير. الذكاء الاصطناعي لا يقرأ النوايا، بل يتعامل مع ما تكتبه له.
ومن الحيل المفيدة أيضاً، أن تحدد له الدور. يمكنك أن تقول: “اشرح كأستاذ”، أو “اكتب كصحفي”، أو “راجع النص كمحرر لغوي”، أو “بسّط المعلومة لشخص لا يعرف التكنولوجيا”. هذه التفاصيل الصغيرة تغيّر شكل الإجابة وتجعله أقرب لما تحتاجه فعلاً.
لكن الاستفادة لا يجب أن تنسينا الحذر. لا تضع في “ديب سيك” معلوماتك الشخصية، ولا ترسل له وثائق عمل حساسة، أو أرقام حسابات، أو بيانات زبائن، أو ملفات طبية، أو كلمات مرور. القاعدة هنا بسيطة جداً؛ أي معلومة لا تقبل نشرها في العلن، لا تكتبها داخل روبوت دردشة.
وفي مجال الدراسة، يمكن أن يكون ديب سيك أداة ممتازة للفهم، لكنه يصبح خطراً عندما يتحول إلى وسيلة للغش أو الكسل. الطالب الذكي لا يطلب منه إنجاز الواجب كاملاً، بل يطلب شرح الدرس، تبسيط الفكرة، اقتراح خطة، أو توضيح الخطوات. بهذه الطريقة يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة للتعلم، لا بديلاً عن التفكير.
في البرمجة أيضاً، يقدم “ديب سيك” مساعدة مهمة، سواء في شرح الأخطاء أو كتابة أكواد أولية أو اقتراح حلول. لكن أي كود ينتجه يجب اختباره جيداً، لأن الخطأ البرمجي قد لا يظهر في البداية، وقد يتحول لاحقاً إلى مشكلة أمنية أو تقنية.
الأهم من كل ذلك، أن لا يرتبط المستخدم بأداة واحدة، ديب سيك قد يكون قوياً في التحليل والمنطق والبرمجة، بينما قد تتفوق أدوات أخرى في البحث، الصور، الترجمة أو الكتابة الإبداعية، أما المستخدم الواعي فهو يعرف متى يستعمل كل أداة، ولا يضع ثقته الكاملة في منصة واحدة.
بن عشور خديجة



