الجهوي‎

المنيعة تدخل مرحلة الحسم في معركة الأمن الغذائي

لم يعد الحديث عن الفلاحة الصحراوية في الجزائر، مجرد طرح تنموي مرتبط بتوسيع المساحات المزروعة، أو تشجيع الاستثمار الفلاحي في الجنوب، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا تفرضه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي يشهدها العالم، خاصة بعد الأزمات المتلاحقة التي أعادت ملف الأمن الغذائي إلى صدارة أولويات الدول.

وفي هذا السياق، جاءت انطلاقة موسم الحصاد والدرس 2025 ـ 2026 بالولاية، لتؤكد أن الجنوب الجزائري يتحول تدريجيًا إلى أحد أهم رهانات الدولة، لتحقيق الاكتفاء الذاتي في شعبة الحبوب.

الانطلاقة الرسمية للحملة، التي أشرف عليها والي الولاية “بن مالك مختار”، بحضور السلطات المحلية وممثلي قطاع الفلاحة، لم تكن مجرد حدث بروتوكولي يرتبط ببداية موسم الحصاد، بل حملت في مضمونها رسائل اقتصادية وسياسية واضحة، مفادها أن الدولة باتت تنظر إلى الجنوب، باعتباره خزّانًا استراتيجيًا للإنتاج الزراعي، ومجالًا حيويًا لإعادة بناء التوازن الغذائي الوطني.

 

تحولات عميقة في الفلاحة الصحراوية

المشهد الذي صنعته الحقول الممتدة بمحيط بلدية حاسي القارة جنوب الولاية، يعكس التحولات العميقة التي عرفتها الفلاحة الصحراوية، خلال السنوات الأخيرة. فبعد أن كانت الزراعة في الجنوب مرتبطة بمبادرات محدودة وظروف إنتاج معقدة، أصبحت اليوم جزء من رؤية اقتصادية وطنية، قائمة على الاستثمار في الأراضي الصحراوية واستغلال الموارد الطبيعية والتكنولوجية المتاحة لرفع الإنتاج الوطني من الحبوب.

وتشير المؤشرات الأولية للموسم الحالي، إلى توقع تحقيق إنتاج وفير من مختلف أصناف الحبوب، وهو ما يعكس حجم الجهود المبذولة في مجال التوسّع الزراعي، وتطوير شبكات الري، ودعم المكننة الفلاحية، إلى جانب توفير المرافقة التقنية للفلاحين. كما يؤكد ذلك، أن الدولة لم تعد تعتمد فقط على الحلول الظرفية لمواجهة تقلبات السوق العالمية، بل تتجه نحو بناء منظومة إنتاج محلية، قادرة على تلبية جزء معتبر من الاحتياجات الوطنية.

 

التحكم في كامل سلسلة القيمة الزراعية

وفي قراءة أعمق للمشهد، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد مقتصرًا على رفع حجم الإنتاج فقط، بل على التحكم في كامل سلسلة القيمة الزراعية، بداية من البذر والإنتاج، وصولًا إلى الحصاد والنقل والتخزين والتحويل. وهو ما يفسر تسخير إمكانيات لوجستية معتبرة، خلال حملة الحصاد الحالية، تمثلت في 90 آلة حصاد و120 شاحنة لنقل المحاصيل، بهدف ضمان جمع الإنتاج في أفضل الظروف، وتقليص نسب التلف والخسائر التي غالبًا ما ترافق مواسم الحصاد الكبرى.

كما يبرز الدور المحوري الذي يلعبه في مرافقة الفلاحين، وضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين في العملية، سواء من حيث جمع المحصول أو توجيهه نحو مراكز التخزين. فنجاح أي سياسة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، لا يرتبط فقط بالإنتاج، بل بمدى قدرة الدولة على تنظيم السوق وحماية المنتوج الوطني من الضياع أو المضاربة.

ومن بين أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها خلال هذا الموسم، مشاركة متخرجين من قطاع التكوين والتعليم المهنيين، تخصص المكننة الفلاحية، ضمن الفرق التقنية العاملة بالميدان. هذه المشاركة، تحمل دلالات مهمة تتجاوز بعدها المهني المباشر، لأنها تعكس توجّهًا نحو ربط التكوين بسوق العمل، وإدماج الشباب في مشاريع الإنتاج الكبرى، خاصة في القطاعات ذات الأولوية الاقتصادية.

 

المكننة الزراعية عنصرا حاسما في تطوير الفلاحة الحديثة

لقد أصبحت المكننة الزراعية عنصرا حاسما في تطوير الفلاحة الحديثة، خصوصًا بالمناطق الصحراوية التي تتطلب تجهيزات متطورة، وتقنيات دقيقة لضمان المردودية. ومن هنا، فإن إشراك الكفاءات الشابة المتخصصة في تشغيل وصيانة معدات الحصاد، يشكل خطوة أساسية لبناء قاعدة بشرية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية التي يعرفها القطاع الزراعي.

كما أن هذا التوجه، يفتح المجال أمام خلق ديناميكية اقتصادية واجتماعية جديدة بالجنوب، من خلال توفير فرص عمل نوعية للشباب، وتقليص الفجوة بين مخرجات التكوين واحتياجات السوق، وهو ما من شأنه تعزيز الاستقرار التنموي بالمناطق الصحراوية، التي أصبحت تستقطب استثمارات فلاحية متزايدة خلال السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، تدرك السلطات العمومية، أن تحقيق وفرة في الإنتاج دون توفير بنية تخزين فعالة قد يحول النجاح الزراعي إلى عبء تنظيمي واقتصادي، لذلك جاء الإعلان عن استفادة من مشاريع جديدة لتعزيز قدرات التخزين، ليؤكد أن الدولة تسعى إلى بناء منظومة متكاملة، تضمن الحفاظ على المحصول وتثمينه في مختلف المراحل.

 

كيفية إدارة الوفرة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة

فالتحدي اليوم لا يكمن فقط في زيادة الإنتاج، بل في كيفية إدارة الوفرة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة، خاصة في ظل الرهانات المرتبطة بتقليص فاتورة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي. وهي الأهداف التي تندرج ضمن الرؤية الاقتصادية التي يقودها رئيس الجمهورية ، والقائمة على تنويع الاقتصاد الوطني وتقوية القدرات الإنتاجية الداخلية.

وبالنظر إلى المؤشرات الحالية، يبدو أن الجنوب الجزائري، يسير بخطى متسارعة نحو التحول إلى قطب استراتيجي لإنتاج الحبوب، في تجربة قد تعيد رسم الخريطة الزراعية للبلاد خلال السنوات المقبلة. فبين الحقول الممتدة، والمكننة الحديثة، الاستثمارات المتزايدة والكفاءات الشابة، تتشكل اليوم ملامح معركة جديدة تخوضها الجزائر عنوانها: السيادة الغذائية من بوابة الصحراء.

الهوصاوي لحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى