
تختزن بلدية تيوت، الواقعة جنوب ولاية النعامة، ثروة أثرية وتاريخية فريدة تجعلها من أبرز المناطق التي تستقطب الباحثين والمستكشفين المهتمين بحضارات ما قبل التاريخ. وتكشف النقوش الحجرية المنتشرة بالمنطقة، عن رموز ودلالات دينية تعكس معتقدات الإنسان القديم، في مشاهد فنية ظلت شاهدة على حقب زمنية سحيقة.
وتتشابه هذه الرسومات مع نقوش عُثر عليها في مناطق مختلفة من أوروبا وأمريكا، غير أن المختصين يرجحون أن نقوش تيوت أقدم بكثير، بالنظر إلى لون الحفر الذي أصبح مطابقا تقريبا للون الصخور المحيطة، وهو ما يدل على مرور آلاف السنين على إنجازها.
ومنذ العصور الأولى، ارتبط الإنسان ببيئته الطبيعية، فحاول تجسيد ما يراه من أشكال ورموز عبر رسومات، ونقوش حملت في طياتها أبعادًا روحية وثقافية، ما جعل من تيوت فضاءً مفتوحًا لدراسة بدايات التعبير الإنساني.
وتقع بلدية تيوت على بعد نحو 15 كيلومترًا شرق العين الصفراء، وقد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى وجهة سياحية وبحثية مهمة، بفضل ما تزخر به من مؤهلات طبيعية وأثرية. كما استفادت المنطقة من مشاريع تنموية مست عدة قطاعات، خاصة السياحة الثقافية والدينية، إلى جانب السياحة البيئية والاستكشافية المرتبطة بالواحات والمناظر الطبيعية.
ومن أبرز المعالم التاريخية بالمنطقة، القصر العتيق الذي يتجاوز عمره 9 قرون، حيث خصصت له مديرية الثقافة غلافًا ماليًا معتبرًا لإعادة ترميمه، والحفاظ عليه كإرث حضاري وتاريخي للأجيال القادمة وللباحثين في تاريخ المنطقة.
كما تضم “تيوت” مقبرة أثرية قديمة، يعتقد المؤرخون أنها تعود للأحلاف الذين قدموا من تلمسان، واستقروا بواحة “تيوت” حوالي 2500 سنة قبل الميلاد. ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذه المقبرة طول القبور التي يصل بعضها إلى 3 أمتار، في دلالة على الخصائص الجسدية لسكان تلك الحقبة، والتي لا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم.
وبفضل هذا التنوع الطبيعي والأثري، صُنفت تيوت منطقة رطبة ذات طابع سياحي وبيئي. كما استفادت الواحة من برامج لإعادة الاعتبار والتأهيل، أُنجزت بالتنسيق بين وزارة البيئة وشركاء دوليين، بهدف حماية هذا الموروث الطبيعي والتاريخي وتعزيز جاذبيته السياحية.
إبراهيم سلامي



