
في الوقت الذي ينظر فيه ملايين المستخدمين إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره خدمة رقمية سريعة وخفيفة، تعمل خلف الشاشة بنقرة أو سؤال، بدأت دراسات حديثة تكشف وجهًا آخر لهذه التقنية؛ وجهًا أكثر ارتباطًا بالأرض والماء والطاقة والحرارة.
فمع موجة الحر القياسية التي تضرب أوروبا، والتي دفعت بعض الدول إلى تقليص اعتمادها على مفاعلات نووية بسبب ظروف التشغيل والتبريد، عاد النقاش مجددًا حول قدرة البنية التحتية الحديثة على الصمود أمام تغير المناخ.
غير أن اللافت هذه المرة أن الأنظار لم تتجه فقط إلى المصانع أو وسائل النقل، بل إلى مراكز البيانات الضخمة التي تشغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب دراسة حديثة قادها باحثون من جامعة كامبريدج بالتعاون مع جامعة نانيانغ التكنولوجية، فإن هذه المراكز لا تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه فحسب، بل قد تساهم أيضًا في رفع حرارة المناطق المحيطة بها، في ظاهرة أطلق عليها العلماء اسم “الجزر الحرارية الرقمية”.
وتشير الدراسة، التي اعتمدت على بيانات أقمار صناعية تابعة لوكالة ناسا لرصد حرارة سطح الأرض بين عامي 2004 و2024، إلى أن الأراضي المحيطة بعدد من مراكز البيانات شهدت ارتفاعًا واضحًا في درجة الحرارة بعد افتتاح تلك المراكز، وقد شملت الدراسة أكثر من 11 ألف مركز بيانات حول العالم، بينها 6733 مركزًا يقع خارج المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
وتوصل الباحثون إلى أن الارتفاع الحراري المسجل حول مراكز البيانات يتراوح بين 0.3 و9.1 درجة مئوية، ويمكن أن يمتد أثره إلى مسافة تصل إلى عشرة كيلومترات من موقع المركز، وهو رقم يفتح بابًا جديدًا للنقاش حول التأثير المكاني المباشر للبنية التحتية الرقمية، خاصة في المناطق التي تعاني أصلًا من موجات حر متكررة أو نقص في الموارد.
ولا تتوقف خطورة هذه الظاهرة عند حدود الحرارة المحلية، إذ تشير المعطيات إلى أن أكثر من 340 مليون شخص يعيشون في مناطق قد تتأثر مباشرة بارتفاع درجات الحرارة المرتبط بمراكز البيانات. ويتقاطع هذا الأثر مع ظاهرة الجزر الحرارية التقليدية التي تنتج عن التوسع العمراني والكتل الخرسانية، ما يجعل بعض المناطق عرضة لضغط حراري مضاعف.
وتكمن المفارقة في أن الذكاء الاصطناعي، الذي يقدم نفسه بوصفه أداة للمستقبل، يعتمد في تشغيله على بنية مادية ضخمة: خوادم، مبانٍ، أنظمة تبريد، شبكات كهرباء، ومصادر مياه. فكل سؤال يرسله المستخدم إلى نموذج ذكاء اصطناعي يمر عبر مراكز بيانات تضم مئات أو آلاف الخوادم التي تعالج الطلب ثم تعيد الإجابة خلال ثوانٍ.
وتضم مراكز البيانات الضخمة في العادة آلاف الخوادم داخل مساحات واسعة، وقد يصل عدد الخوادم في بعض المراكز إلى نحو 5 آلاف خادم على مساحة تقارب 930 مترًا مربعًا. وتحتاج هذه المنشآت إلى طاقة كهربائية كبيرة تتراوح، في بعض الحالات، بين 100 و300 ميغاواط، وهي كمية تكفي لتشغيل آلاف المنازل.
غير أن الطاقة ليست وحدها موضع القلق. فأنظمة التبريد المستخدمة للحفاظ على عمل الخوادم تحتاج بدورها إلى كميات ضخمة من المياه، خصوصًا في المناطق الحارة أو الجافة. ووفق تقديرات أممية، قد يصل استهلاك مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من المياه بحلول نهاية العقد الجاري إلى ما يعادل استهلاك 1.3 مليار شخص.
كما تتوقع الدراسة أن يؤدي التوسع العالمي في بناء مراكز البيانات إلى استغلال مساحات شاسعة من الأراضي قد تتجاوز 14 ألفًا و500 كيلومتر مربع، أي ما يعادل ضعف مساحة إقليم جاكرتا الكبرى، وهو ما يجعل الذكاء الاصطناعي، رغم طابعه الرقمي، نشاطًا ذا أثر مادي واضح على الكوكب.
وفي هذا السياق، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى تحميل شركات الذكاء الاصطناعي مسؤولية أكبر تجاه آثارها البيئية، واصفًا هذه التقنية بأنها شديدة الجوع إلى الأرض والمياه والطاقة، ومحذرًا من أن استهلاكها للكهرباء قد يتجاوز استهلاك دول بأكملها.
وتزداد أهمية هذا التحذير مع توسع الشركات التكنولوجية الكبرى في بناء مراكز بيانات جديدة داخل أوروبا وخارجها، في سباق عالمي للسيطرة على سوق الذكاء الاصطناعي. فبينما تتنافس الشركات على تقديم نماذج أكثر سرعة وقدرة، تتزايد في المقابل الأسئلة حول الكلفة البيئية لهذا التطور.



