
فتحت جامعة “وهران2″، نافذة جديدة لتطل على العمق الإفريقي، وعبر وحدة البحث بالكلية، انطلقت في فرز نقاط ضعف وقوة هذه القارة، التي تعتبر مصدر رفاهية شعوب العالم، بينما تدير ظهرها لشعوبها، من أجل وضع أرضية أكاديمية فكرية، تكون بمثابة بذور، تسمح خاصة للجزائر (سلطة ونخبة)، باعتبارها فاعلا قويا ولاعبا محوريا في تطور إفريقيا، وتحولها من الانطلاقة، في القيام بدورها في تعزيز العلاقة الإفريقية- الافريقية، بعدما كانت في الماضي تربطها “طريق الملح”، والتي تعيد اليوم (الجزائر ممثلة في السلطة)، بعثها بطريقة أكثر فعالية عن طريق مشاريع قاعدية كبرى، لتعززها أكاديميا عبر إعادة إنعاش الذاكرة الإفريقية مع الاهتمام أكثر، بترميم جروحها وعلاج ندوبها.
وفي هذا الإطار، تناولت نخبة وحدة البحث علوم الإنسان للدراسات الفلسفية الاجتماعية والانسانية/قسم الدراسات الأنثروبولوجية، تحت إشراف الأستاذة “مباركة بلحسن”، بمكتبة كلية العلوم الاجتماعية بمجمع “طالب سليم”، التي جاءت تزامنا مع اليوم العالمي للتراث الإفريقي، تحت عنوان: “الذاكرة الإفريقية في عصر الهيمنة الجديدة”.
وفي هذا الإطار، تطرق كل من الأستاذ “بوزيد بومدين،” إلى نقطتين أساسيتين، النقطة الأولى تناول فيها خريطة الخطاب الفلسفي الإفريقي اليوم، التي تتميز بـ: أولا أن الفلسفة في إفريقيا اليوم تعتمد على الذاكرة والتراث أو التقاليد لإفريقيا في إعطاء خصوصية فلسفية، بمعنى أنها تختلف عن الفلسفة الغربية التي بنيت على الفلسفة اليونانية. وجوهر هذا الخطاب، يريد أن يضع بعض المفاهيم التي هي مرتبطة بالذاكرة الفلسفية الإفريقية، مثلاً هو روح فلسفية إفريقية، ملخصها أنه “أنا بالآخرين”، أي أن وجودي لا معنى له كمفرد أو كفرد إلا مع الآخرين، بمعنى مفهوم الجماعة وهذا مفهوم غير موجود في الفلسفة الأنوارية الأوروبية، التي قامت على المفهوم: “أنا أفكر إذا أنا موجود”.
طبعا، إلى جانب هناك كثير من الأشكال الموجودة في الذاكرة الإفريقية، ومنها مثلا قداسة الطبيعة والنباتات والحيوانات لها قدسيتها، استمرار الأسلاف عبر الأجيال الإفريقية. ومع هذا الخطاب، هناك خطاب ثانٍ في الفلسفة الإفريقية اليوم، وهو مجابهة للخطاب الإثني، أي أن الدراسات الأنثروبولوجية في زمن الاستعمارات لإفريقيا تبنت مفهوما “إثنيا عرقيا” في دراسة إفريقيا، فقيل: “ينبغي أن نخرج من الخطاب الإثني العرقي، الذي ميز الكتابات الأوروبية، إلى خطاب إنساني يقوم على الحوار، سواء بين الثقافات الإفريقية المتنوعة والثرية أو مع العالم”.
أما الخطاب الأبرز الثالث في الفلسفة الإفريقية – حسب الأستاذ بوزيد بومدين-، فيتعلق باستعادة الذات، أي كيف نعيد للذات الإفريقية قيمتها وقوتها من خلال التحرر، أي أن الفلسفة بالنسبة لهؤلاء رسالة وهي تحرير الذات بعد تحرير الأرض، وتناول الأستاذ “بوزيد بومدين” في الجزء الثاني من مداخلته، إشكالية: كيف استوعب الأفارقة بالخصوص في غرب إفريقيا والساحل الإفريقي الزوايا والطريقة التجانية والقادرية ؟ لماذا هذا الاستيعاب والإسلام ممتزج أو له الطابع الصوفي؟.
فقال إن هذا الاستيعاب تم بالخصوص في القرن الـ 17، 18 و19، طبعا كان المغيلي، الإمام “محمد المغيلي” هو الأول. ولكن مع القرن الـ 19، استوعبت هذه الطرق وأصبحت هي الخزان الروحي للمقاومة والثورات في إفريقيا، لكون أن طبيعة الإفريقي كتقاليد وكثقافة وكقيم وكفنون وكموسيقى وكأديان قديمة، تلاءمت مع مضمون التصوف القائم على روح الجماعة، على المشيخة، فالشيخ له قيمته، فالتصوف يقوم على المشيخة، مضيفا أن هم الإفريقي، الجماعة والشيخ قبيلة والشيخ العرق وشيخ المنطقة له وزنه، والعمل الخيري هو جوهري في التراث الإفريقي إلى جانب طبعاً أشكال أخرى، كالسماع الذي يتحول إلى موسيقى ويتحول إلى فنون، والسماع معروف عند المتصوفة. فهكذا يمكن القول على أن روح الزوايا وروح التصوف لاءمتا العقلية الإفريقية.
أستاذ الفلسفة بجامعة سعيدة “موسى عبد الله”
أما أستاذ الفلسفة بجامعة سعيدة “موسى عبد الله”، فقد ذكر ليومية “البديل”، أنه يشتغل على الفلسفة التطبيقية، وله اهتمامات متعددة، إلا أنه مؤخرا أصبح يهتم بالثقافة المحلية، لذلك تطرق في مداخلته إلى المفاهيم المتعلقة بـ “الذاكرة الإفريقية.
كما أشار الأستاذ “موسى”، إلى نقطة أخرى تعلقت ببعض المصطلحات المتداولة أثناء الاستعمار وما بعد الاستعمار، وما بينهما، منطلقا من جدلية المركز والهامش، وكيف يمكن الحديث عن مركزية إفريقية في مقابل مركزية أوروبية، مهيمنة تاريخيا، إيديولوجيا، اقتصاديا… على أساس أن ما يميز الذاكرة الإفريقية، هو ما يسمى “الذاكرة الشفوية”، والذاكرة الجماعية بكل عناصرها، إضافة إلى ذلك الجروحات التي مرت بها الذاكرة الإفريقية، وما زالت لم تشف منها بعد، وهي مرتبطة بالصدمات، كالهجرات، تجارة الرقيق، التهميش المستمر كيف يمكن النظر إلى إفريقيا من وجهة نظر ورؤية إفريقية محظة.
وأضاف الأستاذ “موسى عبد الله”، أنه في يوم من الأيام، كان الحديث عن الأسماء الجزائرية التي كان يمنحها المستعمر الجزائري، إما أحياناً بتسمية حيوان أو جماد، مشيرا إلى تهميش الهوية الجزائرية ومن ثم الإفريقية، موضحا أنه حينما تصبح لإفريقيا هويتها يعني مرجعيتها الخاصة برؤية إفريقية، آنذاك يمكن الحديث عن الندية إن صح التعبير بين قارة وقارة أخرى وبين مركز ومركز، عوض أن يكون هامشا بمركز.
الأستاذ “عبد القادر بوعرفة” رئيس وحدة العلوم الإنسان للدراسات الفلسفية والاجتماعية والإنسانية
وعن أسباب تنظيم هذه الندوة المتعلقة بالذاكرة الافريقية، فقد ذكر الأستاذ “عبد القادر بوعرفة”، بصفته رئيس “وحدة العلوم الإنسان للدراسات الفلسفية والاجتماعية والإنسانية”، أن الفكرة انبثقت من عدة تساؤلات حول “إفريقيا”، هل هي مرتبطة أخيرا بالتطور نظرة على الجزائر أو نظرة القيادة على الجزائر؟ هل السلطات هي التي ستؤكد على التوجه الإفريقي؟ أم أنهم كأكاديميين يرجعون إلى الهويات والذاكرة؟
مشيرا ليومية “البديل”، أن وحدة علوم الإنسان للدراسات الفلسفية والاجتماعية والإنسانية، هي وحدة تأسست يوم 5 ماي 2023، وهي مجموعة مخابر، 4 مخابر اتحدت وكونت الوحدة، التي هي شبه من مركز، فرسمت مجموعة من الدراسات التي ينبغي أن تنجزها، أيضا طبع الكتب، فقد وصل عدد الكتب المطبوعة 12 كتابا، وأكثر من 30 ملتقى وطنيا وما يزيد عن 10 ملتقيات دوليا، في الوقت الذي تهتم فيه بالأبحاث الميدانية، والتي منها دراسة أكاديمية، تخص المنطقة الإفريقية وإمتداد الثقافة إفريقية ليسببين، السبب الأول، نحن لدينا امتدادا ثقافيا، حضاريا وتاريخيا مع إفريقيا.
حيث تم التطرق إلى الكثير من الأطروحات، التي قيلت في التسعينات وحتى السبعينات، على غرار ما تناوله “مالك بن نبني” رحمه الله، والذي نبه على الجزائريين، وعلى شمال إفريقيا أن يدرسوا “إفريقيا” دراسة جيدة، لأن إفريقيا في رأيه تملك مسألتين، المسألة الأولى أنها مستقبل العالم، باعتبار أنها أرض الخير، وهو تنبأ أنه بعد الألفية الثانية ستكون إفريقيا مطمع كل الأمم، لأنها موطن الخير كله.
والمسألة الثانية، أن إفريقيا هي عبارة عن بؤرة عذراء، ينبغي أننا لا نتركها للغير يتسلوا بها، وهنا لديه فكرة فعلا صحيحة -حسب الأستاذ بوعرفة-، لأن الشمال الإفريقي ترك إفريقيا للغرب. مشيرا، إلى أن مطلب ساسة الجزائر حاليا، خاصة بعد 2015، بدأت تتبلور رؤية داخل السياسة الجزائرية وهو أنها تتجه نحو الامتداد الإفريقي، وكان أول من نبه إليها، هو “عبد المجيد مزيان”، رحمه الله، أول رئيس للمجلس الإسلامي الأعلى، والذي قال: “ينبغي للجزائر أن تعيد تشكيل خط ما سماه بـ “تجارة الملح”، وعندما أخذ تجارة الملح كان يريد أن يعيد الجزائر برسم امتدادها في إفريقيا من جديد، حيث كانت الجزائر قديما تسمى بـ “المغرب الأوسط” وخاصة من تيهرت، كانت هناك تجارة إفريقية، تمر من تيهرت إلى أقصى إفريقيا، كانت تحمل بالملح، لأن الملح كان نادرا في إفريقيا بينما كان متوفرا في تيهرت.
وبالتالي، كان التجار الجزائريين يأخذون الملح والقمح والتمر وغيرها ويتبادلونه مع الإفريقيين، أي المقايضة مقابل الذهب، لكن لم تكن فقط تجارة، وإنما كانت هناك علاقة تجارية فيها المصاهرة ونشر الدين الإسلامي، لأن أغلب الأفارقة دخلوا الإسلام عبر التجارة. ولهذا أراد من خلال طريق الملح أن يعيد تشكيله، ولكن ليس بالطريقة الكلاسيكية، وإنما بطريقة جديدة حضارية.
وأردف الأستاذ “بوعرفة”، أنه منذ سنة 2001 تقريبا، أشير إلى هذه الفكرة، وبمجيئهم في 2015، تشكلت هذه النظرة لإعادة تأسيس المد الجزائري الجديد نحو إفريقيا، وسمي بالامتداد الثقافي الحضاري نحو إفريقيا، لاسيما أن الجزائر لديها أكبر رصيد وهو “التجانية”، التي تضم 350 مليون تجاني في إفريقيا، كلهم يعودون إلى المرجعية الروحية الجزائرية.
مشيرا إلى ما قاله الأستاذ “بومدين بوزيد”، حول استبدال طريق الملح بطريق الروح، لأنه كان يشكل تجارة فقط، ونسميه الآن بطريق الروح، لأنه يربطنا بإفريقيا (4:37) يعني أن أغلب رؤساء الدول الإفريقية يخضعون للتيجانية، فالجزائر الآن لو تحكم بالطريقة التيجانية سيكون لها حضورا قويا في إفريقيا. مع العلم، أن المهيمن الآن هو المغرب، موضحا أن الضريح التيجاني موجود الآن في المغرب، يدر سنويا على المملكة المغربية أكثر من 10 ملايين دولار، لأن السياحة هي زيارة القبر.
بينما في الجزائر لدينا مكانين مقدسين بالنسبة للتيجاني، وهما “عين ماضي وبوسمغون”، بينما زيارتهما شبه منعدمة، فلو نفتح هذين المنفذين للزيارة، سيكون هناك دخل اقتصادي مهم، لذلك يقوم فريق وحدة البحث تشكيل وحدة خاصة مع الأستاذة، مباركة للعمل على التأسيس لدراسة حول إفريقيا، من كل أبعادها، إضافة إلى الفن، فما يجمعنا هو الفن حسب الأستاذ “بوعرفة”.
وفي الذات السياق، أوضحت الأستاذة “مباركة”، أنها تناولت الشفوية الإفريقية في عصر العولمة. لاسيما، وأن الشفوية الإفريقية تملك من الخصوصية، ما يجعلها تعتمد على آلياتها الخاصة في حفظ الذاكرة الجماعية. كما تساءلت عن مدى إمكانية اعتبار الرقمنة منقذا للحكاية الإفريقية، مؤكدة على الإمكانات غير المسبوقة التي تنتهجها العولمة الرقمية لنشر التراث الثقافي، غير أن هذه العملية لا تتم بشكل محايد. بل تخضع عادة لمنطق السوق الرقمي.
من جهتها، عمدت أستاذة الفنون “أنوال طامر”، إلى محاولة الجمع بين تجربتين فنيتين ثقافيتين “الغريو Griot والڨوال”، ضمن دراسة أنثروبولوجية في جذور الذاكرة الجماعية للتراث الشفوي الافريقي.
حيث ذكرت لِـ “البديل” أنها فضلت شخصية “الغريو”، لأنها خاصة بجنوب افريقيا، مالي، السنيغال، بوركينافاسو ومجموعة من الدول، فهي شخصية أسطورية، واقعة ثقافية فنية. فالغريو حامل الذاكرة، يحضر في كل المناسبات، جليس الملوك والأمراء، وفي نفس الوقت يقوم بدور راوي الحكايات والأساطير الإفريقية، له حضوره وكاريزما، وأدوات موسيقية وفضاءاته الخاصة. مازال مستمرا إلى اليوم، وقد حاولت الأستاذة “طامر”، تقريبه من خلال تجربة المقارنة مع شخصية “القوال” في الجزائر التي نقلها المسرحي الراحل “عبد القادر علولة”.
ميمي قلان



