
تحـيي بــلـديــة عــيـن فـتاح التابعة إقلـيميا لدائرة فلاوسن بولاية تلمسان هذه الأيام، الذكرى الـ 69 لمعــركة “فلاوسن” الكبرى، التي وقعت في الفترة الممتدة من 20 إلى غايـة 23 أفــريل 1957.
حيث تُعـدّ من أبرز محطات الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر، جاءت إحياءً لذكرى بطولات المجاهدين الذين صمدوا في ظروف قاسية، خاصة خلال شهر رمضان، حيث رفضوا الإفطار رغم شدة المعركة، دارت أحداثها في جبل فلاوسن بولاية تلمسان، الذي شكّلت تضاريسه الوعرة حصناً طبيعياً للمجاهدين.
وبمناسبة إحياء ذكرى معركة “فلاوسن” المجيدة، أردنا تقديم دراسة قيّمة تتناول مسار الثورة التحريرية الجزائرية بمنطقة فلاوسن، خلال الفترة الممتدة ما بين 1954 و1962.
تـقــع “فلاوسن” جغرافيا، داخل سلسلة جبال ترارة الأطلسية، والتي تتميز بخصائص طبيعية متنوعة مشكلة من غابات، أحراش، أودية، ومسالك ترابية وعـرة، إلى جانب أخصب الأراضي الفلاحية، والتي استقر بها عدد من المستوطنين الاسبان والفرنسين…والذين استغلوها لصالحهم في زراعة منتوجات فلاحية وحيوانية متنوعة، حيث ساهمت جغرافية منطقة فلاوسن بصورة فعالة في التغطية على نشاط جيش التحرير الوطني، والذي استغل تلك الموانع طبيعية، في توفير عدة مواقع إستراتيجية ملائمة، لاستمرار العمل المسلح بهذه الناحية.
وقد كانت فلاوسن تابعة إداريا أثناء الثورة التحريرية للناحية الثانية، من المنطقة الثانية للولاية التاريخية الخامسة، والممتدة من مدينتي الغزوات، وبورصاي شمالا، مرورا بفلاوسن، وكافة النواحي المحيطة بها، إلى حدود الرمشي جنوبا.
وقـد تمكنت قيادة الثورة من حل مشكل التسليح، بعد وصول شحنات السلاح (الباخرة دينا) في مارس 1955، عرفت بعدها المنطقة، عـدة عمليات عسكرية قادها عناصر جيش التحرير الوطني، ومن أشهرها معركة فلاوسن الكبرى، في الفترة الممتدة من 20 إلى غايـة 23 أفــريل 1957، استخدمت فيها إستراتيجية حرب المواجهة المباشرة، بالرغم من عـدم تكافؤ في العــدّة، أو العدد، بين جيشي التحرير الوطني وقوات الاستعمار الفــرنسي.
مخابئ السلاح وبناء محتشدات ومراكز تجمع المجاهدين بمنطقة فلاوسن
نظّـمت قـيادة جيش التحرير الوطني، عـدة خطط لتحديد نقاط الالتقاء والتجمع لعناصره بالمنطقة، وذلك من أجل مباشرة العمل العسكري المقرر حينها، ومن بين تلك المراكز نجـد لشار، كاف الركبة (فلاوسن)، عين بن زيري، كاف المالح، أولاد بن طاطة، مرجة أولاد بن راشد (عـين الكبيرة)، طهر مغـني، الولجة، طهر زغادة (عين فــتاح) إلى جانب 29 محورا، آخر موزع بين قرى ومداشر فلاوسن.
كـما اختارت قيادة جيش التحرير الوطني بمنطقة فلاوسن، عـدة مخابئ مـنها راس الطاهر، كهف عين فتاح، كهف أولاد، براشد، كانية الولجة… والتي تربطها مسارات محددة، من أهمها مسار يبدأ من سيدي موسی مرورا بواد دیان، والناطور، إلى غاية حدود (بني وارسوس)، لتستكمل وجهتها إلى الرمشي ـ تلمسان.
ولا يمكن حصر جميع المخابئ، التي تم تخزين فيها الأسلحة، والألبسة العسكرية، واللوازم الطبية… إلى جانب إخفاء المجاهدين بها عـند الحاجة، بعـد أخذ الاحتياطات اللازمة لتهيئة ظروف آمنة، لتنقل عبر المسالك الجبلية، تحت إشراف مسؤول الاتصال بالناحية، إلى غاية وصولها إلى الوجهة المحـدّدة.
شهدت منطقة فلاوسن إقامة أو بناء عـدد من المحتشدات، منها محتشد مهراز (Pascual iniesta) الإسباني، الذي كان في البداية مزرعة استعمارية، يملكها المعمر “باسكال إنيسطا” المسمى محليا بـ”المهراز” (بلدية فلاوسن حاليا)، والذي بنى مزرعـته فيها سنة 1941، والتي كانت تتربع على مساحة قـدرها هكتارين، لكن قررت إدارة الجيش الفرنسي بالمنطقة، تحويلها في 14 نوفمبر 1955، إلى مركز للعمليات العسكرية، والتي تم توسيعها لاحقا إلى محتشد كبير، لتجميع كل سكان قرى ومداشر منطقة فلاوسن، وعزلهم عن النشاط الثوري.
هذاـ إلى جانب محتشد بوطرق (بلدية عين فتاح حاليا)ـ الذي تمت إقامـته ما بين شهري أوت وديسمبر من سنة 1956، وذلك بعد ترحيل أغلب سكان المنطقة من منازلهم، وكانت مساحته في البداية 06 هكتارات. ثم وسعت فيما بعـد، لتصبح 18 هكتارا، ومحتشد سيدي علي بن زمرة الذي انطلقت أشغال إنجازه، في شهر جويلية سنة 1956، بعد خروج قوات الجيش الفرنسي، من المسجد الذي كان يتخذه جنود التحرير الوطني مركزا له، بلغت مساحته 12 هكتارا.
كما توجد عدة محتشدات أخرى، على امتداد الناحية والمنطقة الثانية، والتي أنجزت على مراحل، في كل من عين الكبيرة زاوية سيدي بن عمر، بني وارسوس، بني خلاد، مزاورو وجـبالة… فضلا عن ذلك، إنشاء أبراج المراقبة العسكرية، حيث عملت قوات الجيش الاستعماري، على ضمان استمرارية عملية المراقبة المشددة على تحركات عناصر جيش التحرير الوطني، وسكان المنطقة، وذلك ببناء أبراج حراسة في “المهراز” أو ما يعرف بإنشاء أبراج المراقبة العسكرية سنة 1955، والناطور 1956، والتي بلغ عـددها 10 أبراج سنة 1959.
مركز التعذيب بقرية “أبغاون” ببلدية سواحلية من أبرز المعتقلات
اعـتمد الجيش الفرنسي السياسة القمعـية الفرنسية لسكان منطقة فلاوسن، سياسة الترهيب عموما، والتي يأتي على رأسها التعذيب، كوسيلة لأخذ المعلومات عن نشاط الثورة التحريرية بالمنطقة، بالقـوّة من سكان المحليين، أو المجاهدين الأسرى بصفة خاصة.
زيادة على ذلك، اشتـدت حـدّة الإجـرام الاستعماري، إلى إقامة مراكز التعـذيب بالمحتشدات التي شيدتها سابقا، تحت دريعة حماية المستوطنين وممتلكاتهم، من هجومات جنود جيش التحرير الوطني، واتخاذها مراكز عسكرية، بها سجون سرية للتعذيب المتخصصة والموزعة في كل نواحي المنطقة، حيث تحصي ولاية تلمسان 93 مركزا للتعذيب تقلصت بفعل العوامل الطبيعية إلى 36 مركزا ما تزال قواعده قائمة لحد الآن إلى جانب 09 معتقلات و03 محتشدات التي استغلت من طرف الإدارة الاستعمارية الفرنسية في استنطاق وتعذيب الجزائريين، ومنهم المجاهدين الذين كان يُلقى بهم تارة في مطامر لردمهم.
ويعتبر مركز التعذيب بقرية “أبغاون” ببلدية سواحلية من أبرز هذه المعتقلات التي مارس بها جنود المستعمر الفرنسي أبشع أنواع التعذيب على المجاهدين، حيث تعود إلى شهر جـوان 1956 انتقاما من مجموعة من المجاهدين نصبت كمين بالقرب من قرية “أبغاون”.
وعلى مستوى الطريق الوطني “7أ”، قـتل فيه العديد من الجنود الفرنسيين وأعقبته حملة تمشيط واسعة، شملت بلديات الغزوات وسواحلية ومسيردة الفواقة إلى غاية مرسى بن مهيدي، حيث كانت قرية “أبغاون” تحتل موقعا استراتيجيا يطل على عدد من المداشر، لذا استغلت فرنسا الفرصة لتتخذ منه مكان مراقبة، لافتا إلى أن كل سكان هذه القرية تم جمعهم آنذاك بساحة بها مسماة “الرحابي”، وإرغامهم على جمع أمتعتهم وإخلاء القرية وتم ذلك بالفعل في 07 جوان 1956، لتظل فارغة إلى غاية الاستقلال في 1962.
وتفرق سكانها على قرى “الدراوش”، “العرقوب”، “أولاد علي” و”أولاد زيري”، واختار المستعمر الفرنسي مسكنا بقرية “أبغاون” ببلدية سواحلية، مساحته 200 متر مربع، وهو مبني بالحجارة والطين، وتم تحويل فـنائه إلى زنزانات ضيقة وحفر تستغل للتعذيب والاستنطاق. ولايزال بعض المجاهدين على قيد الحياة، يروون ما لقـوه من شتى أنواع التعـذيب بهذا المركز، حيث بنوا بداخله الزنزانات وأثبتوا السلاسل بجدرانه، وحفروا حفرات بقدر قامة الإنسان وأقاموا عجلات العذاب وأحضروا جهازا يولد الكهرباء لبعث شحناته داخل جسم السجين.
وقـد مر من هنا أكثر من 700 مواطن، ذاقوا خلال حجزهم مختلف أنواع العذاب بدء بالماء والصابون ثم العجلة ثم الشحنات الكهربائية، والجز بهم داخل الحفـر المذكورة أعلاه، فكان الصراخ ينبعث من آلات الموت المذكورة ويسمع من طرف سكان القرى المجاورة، كما أن أغلب سجناء لفظوا أنفاسهم داخل مركز التعذيب، هذا دون الإباحة بأسرار الثورة.
وذكر هذا المتخصص في التاريخ، بأن هذا المركز الذي كان يطلق عليه “دار العـذاب”، مرّ به العديد من المجاهدين منهم زوجة المجاهد المتوفي “عبد الحفيظ عزوز” والمجاهد “حساين أبو بكر”، ومنهم من توفي تحت تأثير التعذيب ومن نقلوا إلى مركز التعذيب “دار يغمراسن” بأعالي حي “سيدي اعمر”، الذي يعد هو الآخر “نقطة سوداء ووصمة عار في جبين فــرنسا”.
بالإضافة إلى ذلك، كانت الإدارة العسكرية بالمنطقة تأمر بنقل بعض المعتقلين المدنيين والعسكريين، إلى سجون المدن القريبة كتلمسان، وندرومة (الثكنة)، والرمشي…للتحقـيق والتعـذيب معهم بشكل خاص.
ومن أنواع التعذيب التي تعـرّض لها سكان المنطقة، حسب بعض الشهادات الحـيّة المسجلة، تجويع المعتقلين، مع إرهاقهم بالأشغال الشاقة، إلى جانب التعذيب بشرب الماء، الممزوج بالملح والصابون، الضرب المبرح، مع رفع المُستَنطق رأسا على عقب، مكـبل اليدين، وإسقاطه مرارا، حتى يعترف أو يموت، الصعـق بالكهرباء، والكي بالنار، وكـذا التعذيب بواسطة إطلاق الكلاب على المعتقلين، والسجن في الحفر (المطمورة)…وغـيرها من الأساليب الإجرامية، من أجل ترهيب الشعب، ودفعه إلى التخلي عن ثورته التحريرية.
فلاوسن التاريخية… أنشط المناطق العسكرية لجيش التحرير الوطني
وكخلاصة حول منطقة فلاوسن التاريخية، يمكن اعتبارها من أنشط المناطق العسكرية لجيش التحرير الوطني، بالولاية التاريخية الخامسة، والذي تجسد في القيام بعـدة معارك، الذي بلغ عددها 26 معركة كبيرة، بالإضافة إلى الاشتباكات والكمائن، التي ألحقت بالجيش الفرنسي، وكذلك المصالح الاقتصادية الاستعمارية والبنى التحتية، خسائر بشرية ومادية معتبرة.
لـقــد كان الدعم الشعـبي بمنطقة فلاوسن، للثورة التحريرية الجزائرية، يتمثل في نقل المعلومات للمجاهدين، وإخفائهم أثناء مرورهم بالمنطقة؛ أو اضطرارهم لفترة نقاهة قصيرة، يقضيها الجنود في مخابئ بيوت السكان المحليين، وكذلك مداواة الجنود الجرحى.
وبتلك الطريقة عبّر سكان فلاوسن، عن دعمهم لعناصر جيش التحرير الوطني، الذين تحدوا الإدارة والقوات العسكرية الفرنسية، من خلال استمرارهم بدعم العمل العسكري لجيش التحرير الوطني؛ حتى نهاية الثورة التحريرية، مما أعطاها صدى داخلي واسع، أكسب القضية الجزائرية، دعما معـنويا لمواجهة وطرد الاسـتعــمار، واسترجاع السيادة الــوطــنــية.
اعداد:ع. أمــيــر



