
كشفت دراسة حديثة، عن اتساع حضور المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي على منصة “تيك توك”، إلى درجة بات معها المستخدم الجديد يواجه سيلًا من المقاطع الآلية، قبل أن تتعرّف الخوارزمية إلى تفضيلاته، وتعيد النتائج فتح النقاش حول جودة المحتوى القصير، شفافية المنصات، وتأثير المواد الاصطناعية على الأطفال والفئات الأصغر سنًا.
ووفق تقرير صادر عن شركة “كابوينغ” المتخصصة في أدوات تحرير الفيديو، فإن 60 بالمائة من أول 500 مقطع عُرضت على حساب جديد في صفحة “ForYou” ، صُنّفت باعتبارها محتوى منخفض الجودة مولدًا أو مدعومًا بالذكاء الاصطناعي، وهي نسبة تفوق ما رُصد في تجربة مشابهة على” يوتوب شورت” بنحو 3 أضعاف.
كما خلص التقرير إلى أن 57.4 بالمائة، من مقاطع فئة الأطفال على “تيك توك” تقع ضمن التصنيف نفسه، بينما بلغت النسبة في وسم “#CartoonKids” نحو 97 بالمائة من العينة المفحوصة.
وتبين هذه الأرقام، أن المشكلة لم تعد محصورة في مقاطع فردية مثيرة للجدل أو حسابات مجهولة تسعى إلى حصد المشاهدات، بل تحولت إلى ظاهرة تمس التجربة الافتراضية الأولى للمستخدمين الجدد. فقبل أن يبني “تيك توك” ملفًا سلوكيًا للمستخدم عبر المشاهدة والإعجاب والتخطي، يبدو أن جزءً كبيرًا من المحتوى الذي يقدمه النظام يأتي من مواد اصطناعية سريعة الإنتاج، تعتمد على صور مولدة، أو أصوات آلية، أو نصوص مكررة، أو مشاهد تعليمية وترفيهية تفتقر إلى الدقة.
وتزداد المخاوف عندما يتعلق الأمر بالمحتوى الموجه للأطفال. فالمقاطع الآلية في هذه الفئة لا تقتصر على الرسوم أو الأغاني، بل تشمل أحيانًا دروسًا تعليمية ومعلومات صحية أو علمية مبسطة قد تحمل أخطاء واضحة.
ويرى خبراء في سلامة الطفل والإعلام الرقمي، أن خطورة هذا النوع من المحتوى، تكمن في أنه يُقدَّم للأطفال في قالب بصري جذاب وسريع الإيقاع، بينما يصعب على الطفل التمييز بين ما هو صحيح، وما هو ملفق أو رديء الصنع.
تأتي هذه النتائج، في سياق أوسع من القلق بشأن انتشار ما يُعرف اصطلاحًا بـ“AI Slop”، أي المحتوى الاصطناعي منخفض القيمة الذي يُنتَج بكثافة، بهدف جذب الانتباه واستغلال أنظمة التوصية. وقد سبق لمنظمة “ايه آي فورينسيس” أن وثّقت مئات الحسابات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج ونشر مقاطع بكميات كبيرة على “تيك توك”، بعضها تضمن محتوى مضللًا أو ضارًا أو غير مصنف بوضوح على أنه مولد آليًا.
من جانبها، تؤكد “تيك توك” أن سياساتها تلزم صناع المحتوى بوسم المواد الواقعية المولدة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي، كما تطبق المنصة أنظمة وسم تلقائي عند رصد المحتوى الاصطناعي أو عند استخدام بيانات اعتماد المحتوى المرتبطة بمعيار “C2PA”.
وكانت الشركة قد أعلنت أيضًا، اختبار أدوات تتيح للمستخدمين تقليل أو زيادة ظهور المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي في صفحة “For You”، إلى جانب تطوير علامات مائية غير مرئية للمساعدة في تتبع هذا النوع من المواد حتى بعد إعادة رفعها أو تعديلها.
إلا أن هذه الإجراءات، لا تبدد القلق بالكامل، فالدراسات الأكاديمية حول خوارزمية “تيك توك” تشير إلى أن صفحة “For You” تتأثر سريعًا بإشارات ضمنية مثل مدة المشاهدة والتفاعل، وأن المستخدم قد يواجه صعوبة في إيقاف أنماط معينة من المحتوى بمجرد أن تتشكل داخل خلاصته.
وتطرح الظاهرة تحديًا مزدوجًا أمام المنصات، فمن جهة، يفتح الذكاء الاصطناعي المجال أمام الإبداع السريع وخفض كلفة الإنتاج. ومن جهة أخرى، يهدد بإغراق بيئات التواصل بمحتوى رخيص ومكرر ومضلل، يزاحم صناع المحتوى الحقيقيين ويضع المستخدمين الأصغر سنًا أمام مواد يصعب تقييم جودتها.
بن عشور خديجة



