
في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها قطاع الصحة،بولاية تيارت يبرز نقص التخطيط المحكم وآليات التسيير الحديثة ،كأحد أبرز الإشكالات التي تعاني منها العديد من المؤسسات الصحية العمومية الاستشفائية والنؤسسات والعمومية للصحة الجوارية ، وهو ما انعكس سلبًا على جودة الخدمات المقدّمة للمواطنين، رغم الجهود المبذولة من قبل الإطارات الطبية وشبه الطبية.
فالمتتبع لحصيلة الأنشطة لسنة 2025 ليكشف عن جملة من النقائص المسجلة، سواء على مستوى تحديد الاحتياجات الحقيقية للمؤسسات الصحية، أو في تقييم فعالية الأنشطة المنجزة ومدى استجابتها لمتطلبات المرضى، ما يستوجب مقاربة جديدة قائمة على التخطيط الاستراتيجي والعمل وفق رؤية واضحة المعالم.
تحديد الاحتياجات… خطوة أولى نحو الإصلاح
أجمع مختصون في الشأن الصحي على أن غياب تشخيص دقيق للاحتياجات، سواء في الموارد البشرية أو التجهيزات الطبية أو حتى التنظيم الإداري، يعدّ عائقًا حقيقيًا أمام تحسين الأداء. فالتسيير الفعّال ينطلق من معرفة دقيقة بالنقائص المسجلة ميدانيًا، وتحديد الأولويات وفق معايير موضوعية تأخذ بعين الاعتبار الضغط المسجل على الهياكل الصحية وتطلعات المواطنين.
تقييم الأنشطة المنجزة… قراءة نقدية للحصيلة
ويُعد تقييم الأنشطة المنجزة خلال سنة 2025 محطة أساسية لاستخلاص الدروس وتصحيح المسار، حيث لا يقتصر الأمر على عرض الأرقام، بل يتعداه إلى تحليل النتائج المحققة، وقياس مدى نجاعة البرامج الصحية المنفذة، ومدى احترام معايير الجودة والانضباط المهني داخل المؤسسات الصحية.
برمجة أنشطة وخطة عمل 2026… رؤية مستقبلية مطلوبة
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة إعداد خطة عمل لسنة 2026 ترتكز على تحسين آليات التسيير، وتعزيز الأداء، وترسيخ ثقافة الانضباط والمسؤولية المهنية. كما ينبغي أن تتضمن هذه الخطة برامج تكوين مستمر، وتحديث طرق العمل، واعتماد أدوات التقييم والمتابعة، بما يضمن تقديم خدمات صحية أكثر نجاعة وإنصافًا.
ويجمع متابعون للشأن الصحي على أن الارتقاء بجودة الخدمات الصحية لا يتحقق إلا من خلال حوكمة رشيدة، وتخطيط محكم، وإشراك مختلف الفاعلين في صياغة وتنفيذ خطط العمل، بما يضع صحة المواطن في صلب الاهتمامات ويجعل من المؤسسة الصحية فضاءً للخدمة العمومية الفعّالة والمستدامة.
وزير الصحة الجديد يفتح كل الأبواب لإرساء ديناميكية جديدة
باشر وزير الصحة الجديد مهامه بإطلاق مقاربة إصلاحية شاملة، ترتكز على فتح قنوات الحوار والتشاور مع مختلف الفاعلين، بهدف الارتقاء بالمنظور الصحي الوطني وتحسين جودة الخدمات المقدّمة للمواطنين. وتقوم هذه المقاربة على إعداد خطط عمل واضحة وواقعية، مبنية أساسًا على مبادئ النزاهة والشفافية، لا سيما في جانب التسيير الذي يُعدّ حجر الزاوية في أي إصلاح فعّال.
وأكد الوزير، في أكثر من مناسبة، أن إصلاح القطاع الصحي لا يمكن أن يتحقق دون حوكمة رشيدة تُعلي من شأن الانضباط المهني، وتقطع مع الممارسات البيروقراطية التي عطّلت الأداء وأثّرت على نجاعة المؤسسات الصحية. كما شدد على ضرورة اعتماد التخطيط الاستراتيجي القائم على تشخيص دقيق للاحتياجات، وتقييم موضوعي للأنشطة المنجزة، بما يسمح بتصحيح الاختلالات وبناء سياسات صحية أكثر استجابة لتطلعات المواطنين.
وفي هذا الإطار، يُنتظر أن تُسهم الخطط الجديدة، المبنية على النزاهة في التسيير وربط المسؤولية بالمحاسبة، في خلق ديناميكية إيجابية داخل المؤسسات الصحية، وتحفيز الموارد البشرية، وتحسين مردودية الهياكل الصحية. ويرى متابعون أن هذا التوجه الإصلاحي، إن ما تم تجسيده ميدانيًا، سيشكل خطوة حاسمة نحو قطاع صحي أكثر كفاءة وعدالة، تكون فيه صحة المواطن أولوية فعلية وليست مجرد شعار.
متابعة ميدانية لصيقة ومشاريع هيكلية واعدة
حظي قطاع الصحة بولاية تيارت خلال سنة 2025 باهتمام بالغ من قبل السلطات المحلية، وعلى رأسها والي الولاية، الذي جعل من تحسين الخدمات الصحية وتطوير الهياكل الاستشفائية أولوية قصوى ضمن مخطط العمل الولائي. وقد تجسّد هذا الاهتمام من خلال المتابعة الميدانية اللصيقة والدورية لمختلف المشاريع الصحية، والحرص على تسريع وتيرة الإنجاز ومعالجة العراقيل المسجلة ميدانيًا.
وشملت هذه الديناميكية الصحية عددًا من المشاريع الهيكلية ذات البعد الاستراتيجي، أبرزها مشروع المركز الجهوي لمكافحة السرطان، الذي يُعد مكسبًا نوعيًا للولاية والولايات المجاورة، بالنظر إلى دوره المنتظر في تحسين التكفل بمرضى السرطان وتقريب العلاج المتخصص من المواطنين، والتخفيف من أعباء التنقل نحو ولايات أخرى.
كما أولت السلطات المحلية عناية خاصة بمشروع مستشفى الحروق والاستعجالات الطبية، لما له من أهمية بالغة في الاستجابة السريعة للحالات الحرجة، وتعزيز منظومة الاستعجالات الطبية، خاصة في ظل تزايد الحوادث والحالات الاستعجالية. وقد تم التأكيد على ضرورة احترام آجال الإنجاز وضمان جاهزية المرفق وفق المعايير التقنية والطبية المعتمدة.
وفي سياق تعزيز التخصصات الطبية، تم تسجيل توسيع المؤسسة الاستشفائية المتخصصة في أمراض الأنف والأذن والحنجرة، بما يسمح بتحسين ظروف التكفل بالمرضى وتخفيف الضغط على الهياكل الصحية الأخرى. كما شمل برنامج التطوير الصحي توسيع مستشفى يوسف دمرجي، في خطوة تهدف إلى رفع طاقة الاستيعاب وتحسين جودة الخدمات المقدمة، سواء من حيث الإيواء أو التجهيزات الطبية.
ويؤكد متابعون للشأن المحلي أن هذه المتابعة الميدانية الصارمة تعكس إرادة حقيقية للسلطات العمومية في الارتقاء بالمنظومة الصحية بولاية تيارت، وترجمة التوجيهات الوطنية إلى مشاريع ملموسة، من شأنها تعزيز الثقة في المرفق الصحي العمومي، وجعل صحة المواطن في صلب الاهتمامات التنموية
خطة استشرافية لجلب الأطباء الأخصائيين
تبرز الحاجة الملحّة إلى إعداد خطة استشرافية متكاملة لجلب الأطباء الأخصائيين، تأتي على رأسهم أطباء الأشعة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي يلعبه هذا التخصص في التشخيص المبكر ودقة العلاج، ودعم مختلف المصالح الطبية والجراحية.
ويُعدّ نقص أطباء الأشعة من أبرز الإشكالات التي تعاني منها العديد من المؤسسات الصحية، حيث يؤثر ذلك مباشرة على آجال الفحوصات، ويُثقل كاهل المرضى، ويحدّ من نجاعة الخدمات المقدّمة، خاصة في ظل توسّع الهياكل الاستشفائية وتجهيزها بمعدات تصوير طبي متطورة تتطلب كفاءات بشرية مؤهلة لتشغيلها واستغلالها الأمثل.
ترتكز هذه الخطة على جملة من الآليات العملية، من بينها:تحفيز الأطباء الأخصائيين عبر توفير ظروف عمل ملائمة، وتحسين الامتيازات المهنية والاجتماعية.تسهيل إجراءات التعيين والتنقل نحو الولايات التي تعاني عجزًا في هذا التخصص، مع اعتماد مقاربة عادلة وشفافة.تشجيع التعاقد مع أطباء خواص أو الاستعانة بالكفاءات الوطنية في إطار الشراكات، خاصة في مرحلة سدّ العجز.تعزيز التكوين والتخصص في مجال الأشعة الطبية، وربط ذلك بالحاجيات الفعلية للمؤسسات الصحية.
ويؤكد مختصون أن الاستثمار في استقطاب أطباء الأشعة لا يُعد خيارًا ثانويًا، بل رهانًا استراتيجيًا، باعتبار أن دقة التشخيص تمثل أساس القرار الطبي السليم. كما أن توفير هذا التخصص من شأنه تخفيف الضغط عن المرضى، وتقليص فترات الانتظار، وتحسين مردودية التجهيزات الطبية الحديثة التي تم اقتناؤها في السنوات الأخيرة.
وتبقى هذه الخطة الاستشرافية خطوة ضرورية لإرساء توازن حقيقي بين الهياكل الصحية والموارد البشرية، وبناء منظومة صحية أكثر فعالية واستجابة لتطلعات المواطنين، في إطار رؤية إصلاحية شاملة تضع الكفاءة والنزاهة في صلب التسيير الصحي
ج.غزالي



