
على أعتاب نهاية الفصل الدراسي الأخير، يستعد آلاف من تلامذة الفصل الرابع متوسط والثالث ثانوي، لاستقبال الامتحانات المفصلية؛ البيام والباكالوريا، والشروع في اختبار وطني، بعد تحد سنوي يعكس حجم الاستعداد والكفاح الدراسي. ومع تصاعد وتيرة التحضير، لم تعد الطرق التقليدية وحدها كافية، بل اقتحمت الشاشات الصغيرة تفاصيل المذاكرة، لتصنع واقعًا جديدًا تتداخل فيه المعرفة مع التكنولوجيا. وبهذا، برزت مخاوف متزايدة من أن تتحول هذه الوسائل الرقمية من أداة داعمة للتعلم، إلى مصدر خفي للتشتت.
رئيسة الاتحاد الوطني لأولياء التلاميذ: التطبيقات والهواتف مصدر قلق للأولياء
تشير رئيسة الاتحاد الوطني لأولياء التلاميذ لولاية وهران، “أمينة بلوهراني”، إلى أن طرق الاستعمال الحالية للهواتف والتطبيقات، تثير قلقا متزايدا لدى الأولياء، الذين يعبرون عن تخوفهم من آثارها السلبية، وعلى رأسها ضعف تركيز التلاميذ أثناء الدراسة، والإفراط في استعمال هذه الوسائل حد الإدمان.
إضافة إلى تضييع الوقت والاعتماد شبه الكلي على التطبيقات، لا سيما تلك لقائمة على الذكاء الاصطناعي في حل واجباتهم اليومية، مما قد يحدّ من تنمية التفكير النقدي لديهم لاحقا. حيث صرحت لجريدة “البديل”، أن “هذه الوسائل رغم فائدتها، أصبحت تشكل مصدر قلق حقيقي للأولياء لما لها من تأثير مباشر على تركيز الأبناء ومستواهم الدراسي”.
وفي هذا السياق، باتت هذه الوسائل تمثل مصدرًا متزايدًا للتشويش، بحسب ما أفاد به عدد من التلاميذ المقبلين على امتحان البكالوريا، المقرر ما بين 07 و11 جوان، حيث أكدوا أن الهاتف قد يتحول من أداة للدراسة إلى وسيلة لاستنزاف الوقت، في ظل ما تفرضه مواقع التواصل الاجتماعي والألعاب من عوامل إلهاء تؤثر سلبًا على التركيز. كما أشاروا إلى أن كثرة الإشعارات والرسائل ساهمت في تشتيت انتباههم وإضعاف العزيمة، ما انعكس على قدرتهم على الإنجاز.
أولياء وأساتذة يحذرون: “الذكاء الاصطناعي يهدد التفكير النقدي لأبنائنا”
تتراوح مدة استخدام التلاميذ للهاتف أثناء المراجعة بين 3 و4 ساعات يوميًا، مع فترات راحة متقطعة، فيما أشار بعضهم إلى أنها قد تصل إلى 6 أو 8 ساعات. ويُوظَّف هذا الاستخدام أساسًا لأغراض دراسية، عبر منصات مثل “YouTube” لما توفره من شروحات، إضافة إلى شبكات التواصل كـ “Facebook”، ومواقع تعليمية مثل “dz exam”، “موقع الدراسة الجزائري”، وغيرها التي تضم دروسًا ومواضيع وحلولًا. وفي المقابل، يلجأ بعض التلاميذ إلى تطبيقات حجب المشتتات لتنظيم وقتهم، بينما يرى آخرون أن الاستغناء عن الهاتف يبقى الخيار الأنسب أثناء المراجعة.
تفيد الملاحظات الميدانية، حسب تصريح الأستاذة “زعبوط سعاد”، أستاذة التاريخ والجغرافيا بالتعليم الثانوي، بحدوث تحول واضح في أساليب مراجعة التلاميذ خلال السنوات الأخيرة، حيث تراجع الاعتماد على القراءة المتعمقة والتحليل المنهجي للكتاب المدرسي، مقابل توجه متزايد نحو المحتوى الرقمي السريع، لاسيما الفيديوهات التعليمية والملخصات المتداولة عبر الإنترنت. وصرحت “أصبح الإنترنت المصدر الأبرز للمعلومة لدى فئة واسعة من التلاميذ، بفضل سهولة الوصول إليه وتنوع مواده، غير أن ذلك لا يقلل من أهمية الكتاب المدرسي، الذي يظل مرجعًا أساسياً لما يتميز به من تنظيم دقيق ومصداقية علمية في بناء المعارف”.
ورغم أن هذا النمط أسهم في تسريع وتيرة المراجعة، وتسهيل الوصول إلى المعلومة، إلا أنه قد ينعكس على عمق الفهم ويحدّ من قدرة التلميذ على التحليل والاستيعاب طويل المدى. كما تؤكد الأستاذة وجود جملة من الآثار المصاحبة لهذا التحول، من أبرزها التشتت وضعف التركيز نتيجة كثرة الملهيات الرقمية، إلى جانب الاعتماد المفرط على الحلول الجاهزة، ما يؤثر في تنمية مهارات التفكير النقدي، فضلًا عن انتشار الغش وصعوبة التحقق من مصداقية بعض المصادر الرقمية.
التكنولوجيا كداعم دراسي… مزايا واضحة وفرص للتعلم الذاتي
من جهة أخرى، يُظهر عدد من التلاميذ وعيًا بدور التكنولوجيا في دعم تحصيلهم الدراسي، من خلال تسهيل الفهم وتسريع الوصول إلى المعلومة، خاصة لدى طلبة المراسلة الذين يعتمدون على الشروحات المتاحة عبر الإنترنت. وقد وفّرت هذه المنصات التعليمية إمكانية متابعة الدروس من المنزل، مع تنوّع في طرق الشرح يتيح للتلميذ اختيار ما يناسب مستواه. كما أصبحت منصات مثل YouTube داعمًا فعّالًا للدروس التقليدية، بما توفره من مرونة في التعلم وتخفيف للضغط الزمني والمالي المرتبط بالمراجعة.
ويرى عدد من الأساتذة، أن مزايا التعليم الرقمي تتجلى بوضوح في قدرته على تبسيط المفاهيم المعقدة عبر توظيف الوسائط المتعددة، مما يسهم في تعزيز الفهم وترسيخ المعارف، إلى جانب تشجيع التعلم الذاتي وتمكين التلميذ من ضبط وتيرة تعلمه وفق احتياجاته وقدراته الفردية.
بين الإجراءات التربوية ودور الأسرة في ضبط الاستخدام
رغم ما توفره التكنولوجيا من مزايا تعليمية، إلا أن الإفراط في استخدامها أفرز بعض الانعكاسات التي استدعت تدخلًا تربويًا لتنظيمها داخل المؤسسات التعليمية. تؤكد مستشارة التوجيه بإحدى مؤسسات التعليم المتوسط، أن حملات التوعية بالاستخدام الآمن والرشيد للأجهزة الرقمية لم تعد خيارا ثانويا، بل أضحت ضرورة ملحّة تفرضها التحولات الرقمية المتسارعة.
وأوضحت أن شريحة واسعة من التلاميذ تتأثر بشكل مباشر بسلوك أقرانها داخل الوسط المدرسي وخارجه، ما يعزز أنماط الاستخدام غير المنضبط، ويجعل من عملية التوجيه والإرشاد النفسي والتربوي مسارًا مستمرًا لا يقتصر على فترات محددة.
وفي هذا السياق، شددت على أهمية الدور المحوري للأسرة في مراقبة وتنظيم أوقات استعمال الهواتف الذكية، بما يضمن تحقيق توازن صحي بين التحصيل الدراسي والأنشطة الرقمية، ويحد من الانعكاسات السلبية على الأداء الأكاديمي والتركيز الذهني.
وعلى صعيد الإجراءات التنظيمية، أشارت إلى أن المؤسسات التربوية تعتمد آليات صارمة للحد من استخدام الهواتف داخل الفضاء المدرسي، حيث يتم سحبها بشكل كلي من التلاميذ من طرف الأساتذة أو الإدارة، تطبيقًا لتعليمات وزارية واضحة تمنع إدخالها إلى الأقسام، مع إلزام التلاميذ بتسليمها عند الدخول. غير أن هذه التدابير، رغم صرامتها، لم تنجح بشكل كامل في القضاء على الظاهرة، إذ لا يزال استعمال الهواتف داخل الأقسام منتشرا، حتى في صفوف السنوات الأولى من التعليم المتوسط. ويعكس هذا الواقع حجم التحدي الذي تطرحه مسألة الإدمان الرقمي لدى الناشئة.
وأمام هذه المخاوف، أفاد بعض الأولياء الذين تواصلنا معهم، بأنهم يحرصون على متابعة أبنائهم بشكل واع، من خلال التعامل الآمن مع التكنولوجيا، وتوعيتهم بمخاطر استخداماته بسن مبكرة، والتحاور معهم بانتظام. فضلا عن تنظيم أوقات المراجعة بوضع قوانين واضحة تحكم هذا الاستخدام. ويستعمل بعضهم الطرق التقليدية كالسحب الكلي للهاتف أثناء المراجعة، والبعض الآخر يشيد بأن نجاح أبنائهم في ظل التكنولوجيا لا يتحقق بمنع الهاتف، بل بترشيد استعماله وتوجيهه ليكون وسيلة دعم لا عائق لهم.
وبين ما توفره التكنولوجيا من فرص لتسهيل التعلم، وما تفرضه من تحديات على تركيز التلاميذ، يبقى تحقيق التوازن في استخدامها هو الرهان الحقيقي لضمان تحصيل دراسي فعّال.
بن عشور خديجة




تعليق واحد