
لم يعد الحديث عن التراث في الجزائر مرتبطا فقط بحفظ الموروث الشعبي أو استذكار الماضي، بل أصبح جزء من رؤية ثقافية أوسع، تسعى إلى ترسيخ الهوية الوطنية، وتحويل الثقافة إلى قوة ناعمة قادرة على صناعة الوعي المجتمعي وتعزيز الانتماء.
هذا ما عكسته بوضوح فعاليات الحفل الختامي لشهر التراث، الذي احتضنه المركز الثقافي بحاسي القارة، تحت إشراف مديرية الثقافة والفنون لولاية المنيعة وتنظيم المكتبة العمومية للمطالعة، في تظاهرة حملت أبعادًا ثقافية وتربوية تتجاوز الطابع الاحتفالي التقليدي.
الحفل الذي جمع مسؤولين وفاعلين ثقافيين وأكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني، بدا أقرب إلى رسالة جماعية، تؤكد أن حماية التراث لم تعد مسؤولية قطاع واحد، بل مشروعًا تشارك فيه مختلف المؤسسات، الهيئات والطاقات الفاعلة في المجتمع.
فمن خلال الحضور المتنوع الذي تقدمه مديرية الثقافة والفنون لولاية المنيعة “العابد ياسين”، ممثل مديرية الحماية المدنية “العربي دحمان”، مدير المجاهدين “حمزة واضح”، مدير الشباب والرياضة “زنقط عبد القادر”، إضافة إلى مديرة المتحف العمومي الوطني بالنيابة “رسيوي وهيبة”، مديرة ثانوية “ديدوش مراد الخارف ربيعة”، والمربية “زيدان كريمة” من قطاع الشباب والرياضة، برزت صورة واضحة عن تقاطع الثقافة، مع قطاعات متعددة في سبيل حماية الذاكرة الجماعية.
تحوّل مهم في النظرة إلى التراث
هذا التداخل بين المؤسسات، يعكس تحولا مهما في النظرة إلى التراث، باعتباره ركيزة من ركائز الأمن الثقافي للمجتمع، وليس مجرد مادة فولكلورية تُستحضر في المناسبات. فالمجتمعات التي تحافظ على ذاكرتها، قادرة على حماية تماسكها الاجتماعي، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، بفعل العولمة والتغيرات الرقمية التي تهدد الخصوصيات الثقافية المحلية.
ولعل اللافت في هذه التظاهرة، هو الحضور الأكاديمي الذي منح للنشاط بعدًا معرفيًا وعلميًا، من خلال مشاركة الدكتور “نواصر عبد الرحمن” من جامعة تمنراست، والدكتورة “بن صغير يمينة” من جامعة غرداية، إلى جانب “إلياس مزياني” من مدينة تلمسان، حيث شكلت هذه الأسماء إضافة نوعية تؤكد أهمية الربط بين الجامعة والمشهد الثقافي المحلي.
فصون التراث اليوم، لا يقتصر على توثيق العادات والتقاليد، بل يتطلب قراءة علمية للموروث، وتحويله إلى مادة بحثية وثقافية تساهم في بناء وعي جديد لدى الأجيال الصاعدة.
كما عكس حضور الجمعيات الثقافية، وعلى رأسها جمعية نسائم الجنوب الثقافية، الدور المتنامي للمجتمع المدني، في مرافقة الجهود الرسمية لحماية التراث المحلي. فالجمعيات أصبحت في السنوات الأخيرة شريكًا أساسيًا في تنشيط الحياة الثقافية، خاصة في المناطق الداخلية والجنوبية، من خلال مبادرات تهدف إلى إعادة الاعتبار للموروث الشعبي وربطه بالتنمية الثقافية والسياحية.
تكريم المساهمين في إنجاح فعاليات شهر التراث
ومن زاوية أخرى، حمل الحفل الختامي رسالة تقدير واضحة، للفاعلين في المجال الثقافي، حيث تم تكريم عدد من المساهمين في إنجاح فعاليات شهر التراث، في خطوة تؤكد أن الاعتراف بالمجهودات الفردية والجماعية، يعد عنصرًا أساسيًا في تشجيع العمل الثقافي واستمراريته. فالقطاع الثقافي، رغم أهميته، ظل لسنوات يعتمد على اجتهادات شخصية ومبادرات تطوعية، ما يجعل ثقافة التكريم والاعتراف ضرورة معنوية لدعم الفاعلين الميدانيين.
الأمسية التي قامت بتنشيطها “صياد حورية”، أظهرت كذلك أهمية العنصر النسوي في إدارة وتفعيل النشاط الثقافي، خاصة من خلال الجهود التي بذلها طاقم المكتبة العمومية للمطالعة، ممثلاً في (بوحميدة الخنساء، بن ساسي سامية وبلمشرح حبيبة)، اللواتي نجحن في تقديم صورة تنظيمية راقية، تعكس حجم العمل الذي يقف خلف نجاح مثل هذه التظاهرات.
ويبدو أن الرسالة الأعمق التي خرج بها الحاضرون من هذا الموعد الثقافي، هي أن التراث لم يعد مجرد ماضٍ يُحتفى به، بل أصبح أداة لبناء المستقبل وصناعة الوعي الجماعي. فالدول التي تستثمر في ذاكرتها الثقافية، تمتلك قدرة أكبر على حماية هويتها وتعزيز حضورها الحضاري، خاصة في زمن أصبحت فيه الثقافة إحدى أدوات التأثير الإستراتيجي بين الأمم.
إن ما شهدته حاسي القارة خلال اختتام شهر التراث يؤكد أن الجزائر، بمختلف مناطقها، ما تزال تختزن رصيدًا حضاريًا وإنسانيًا كبيرًا يحتاج إلى مزيد من الاستثمار والتثمين، ليس فقط عبر المناسبات، بل من خلال مشاريع ثقافية مستدامة، تجعل من التراث مدرسة لترسيخ قيم الانتماء والوعي الوطني.
الهوصاوي لحسن



