يمثل الشعر الشعبي والأغنية البدوية من أبرز عناصر التراث الثقافي والاجتماعي للبلدان العربية والإفريقية، فهي تحمل في طياتها ذكريات الأجيال، وتعكس ملامح الحياة اليومية والقيم، والأهداف التي تتطلع إليها المجتمعات.
وفي سياق ولاية تيسمسيلت، تبرز هذه الفنون بجلاء، كونهما جزء لا يتجزأ من هوية السكان، وقدمت خلال السنين دورا حاسما في بناء الذاكرة الجماعية وتوحيد أفراد المجتمع خاصة، وعلى الرغم من التغيرات التي طرأت على الحياة الاجتماعية والثقافية، ظل الشعر الشعبي والأغنية البدوية قائمين كرمز للتراث، وتحافظا على هوية أبناء المنطقة، حيث يعتبران من أهم قنوات نقل المعارف والقيم من جيل إلى جيل آخر.
الشعر الشعبي “الملحون”.. ديوان الجماهير وسلاح المقاومة الثقافية
يعد الشعر الشعبي، المعروف بـ “الملحون”، من أبرز الفنون التي حفظت هوية منطقة الونشريس وذاكرتها الجماعية، لم يكن الشعر يوما فنا نخبويا منعزلا، بل كان دائما مرتبطا ارتباطًا وثيقا بقضايا الناس وهمومهم اليومية، فكان بحق “ديوان الجماهير وخزانة أسرارها”.
وكان الشعراء الشعبيون هم صوت الأمة الذي يزرع الأمل، ويشحذ الهمم، ويؤجج الحس الثوري في نفوس الجزائريين، محولين القصيدة إلى بيان مقاومة ومنبر للحرية، تتميز القصيدة الشعبية في هذه المنطقة بلغة غنية، تمزج ببراعة بين مفردات العربية الفصحى الرصينة، ودفء اللهجة المحلية المتداولة، مما يجعلها قريبة من وجدان الناس، سهلة الفهم والتداول، وقادرة على التعبير عن أدق المشاعر وأعمق الأفكار.
وقد أنجبت المنطقة فطاحلة في هذا المجال، شعراء تركوا بصمة لا تمحى في تاريخ الأدب الشعبي، نذكر منهم الشاعر “مقاسي رشيد”، و”حجو عبد القادر” المدعو “باشا” رحمه الله، وغيرهم الكثير ممن حملوا على عاتقهم أمانة التعبير عن آمال وآلام مجتمعهم، فكانت قصائدهم مرآة صادقة لواقعهم وتطلعاتهم.
الأغنية البدوية.. اللحن الخالد الذي يمنح القصيدة أجنحة
إذا كان الشعر هو الروح، فإن الأغنية البدوية هي الجسد والصدى الذي يمنح هذه الروح حياة ممتدة، ترتبط الأغنية البدوية ارتباطا عضويا بالشعر الشعبي، فهي القناة التي يمر عبرها الشعر من دواوين الشعراء إلى قلوب الجماهير،عندما تُغنّى القصيدة، تكتسب أبعادا جديدة وتأثيرا أعمق، حيث يمتزج جمال الكلمة بقوة اللحن وعذوبة الصوت، لتتحول إلى جزء لا يتجزأ من النسيج اليومي للمجتمع، تردد في الأفراح والمناسبات، وتُروى في مجالس السمر، وتُواسى بها الأحزان.
وقد استطاعت تيسمسيلت، عاصمة الونشريس، أن تحافظ على هذا الفن الأصيل بمختلف طبوعه وإيقاعاته، لتشكل بذلك قطبا ثقافيا هاما يجذب المهتمين من كل حدب وصوب.
وقد برز في سماء الأغنية البدوية بالمنطقة أسماء لامعة، أثرت هذا الفن وأعلت من شأنه، فنانون أصبحوا رموزا للأصالة والإبداع، نذكر منهم بكل فخر رائد الأغنية البدوية الشيخ “الميلود الفيالاري”، والشيخ “بوكنين محمد”، والفنان القدير “رابح مقاسي” الملقب بـ “بلبل الأغنية البدوية”، هؤلاء الفنانون وغيرهم من المبدعين، لم يكتفوا بمجرد الأداء، بل أبدعوا وقدموا كل ما لديهم بهدف السمو بهذا الفن، وترسيخ الموروث، ونقله صافيا نقيا إلى الأجيال الصاعدة.
جهود الحفاظ والترسيخ.. من المهرجانات الشعبية إلى البحث الأكاديمي
إدراكا للقيمة الحضارية لهذا الموروث، تبذل السلطات المحلية والمجتمع المدني في ولاية تيسمسيلت جهودا حثيثة ومستمرة للحفاظ عليه وتثمينه، ويأتي “المهرجان الوطني الثقافي للأغنية البدوية والشعر الشعبي” كأبرز تجليات هذا الاهتمام.
لم يعد هذا المهرجان مجرد احتفالية عابرة، بل أصبح موعدا سنويا راسخا، وملتقى وطنيا يجمع الفنانين والشعراء من مختلف ولايات الوطن، يخلق هذا الحدث ديناميكية ثقافية فريدة، ويعزز التبادل بين الأجيال والتجارب، ويضمن استمرارية هذا الفن وتجدده، وبالتوازي مع هذه الجهود الشعبية.
هناك اهتمام أكاديمي متزايد بهذا التراث الغني، فقد بادرت جامعة تيسمسيلت بتنظيم ملتقيات وطنية حول “الأدب الشعبي في منطقة الونشريس”، بمشاركة واسعة من دكاترة وباحثين متخصصين من مختلف جامعات الوطن. تهدف هذه الملتقيات، إلى تسليط الضوء على الأبعاد الثقافية والحضارية للمنطقة، واستنطاق نصوص الأدب الشعبي المكتوبة والمروية، وتحليلها باستخدام أحدث المقاربات النقدية.
ومن أبرز مخرجات هذه الجهود الأكاديمية، اقتراح إنشاء مخبر للدراسات الأكاديمية يهتم بالأدب والثقافة الشعبية وتراث المنطقة، بهدف العمل على تدوين هذه الثقافة اللامادية بشكل علمي، وحفظها من الضياع، وجعلها مرجعا موثوقا للدراسات الإنسانية والاجتماعية.
في الختام، يتضح أن الشعر الشعبي والأغنية البدوية بولاية تيسمسيلت ليس مجرد فنون تقليدية عابرة، بل هما روح المنطقة ونبضها الحي، وجسر متين يربط ماضيها العريق بحاضرها المشرق ومستقبلها الواعد، إنهما يحملان في طياتهما حكمة الأجداد، وقصص كفاحهم، وأحلام الأجيال القادمة، مؤكدين أن الحفاظ على هذا الإرث الثقافي الثمين ليس مجرد مسؤولية محلية، بل هو واجب وطني يساهم في حماية هوية أمة بأكملها وتعزيز تماسكها الحضاري.
جطي عبد القادر



