
من النقاط التجارية الشهيرة في عاصمة الغرب الجزائري (وهران) شارع “لو مومبا” التجاري نسبة للزعيم الإفريقي”باتريس لومومبا”، وفي الجزائر العاصمة يبرز الشارع الذي يحمل اسم “باتريس لومومبا”، وساحة عمومية تحمل الاسم نفسه في ولاية بجاية.
هذه الصور وحدها كافية لتؤكد أن علاقة الجزائر بباتريس لومومبا والشعب الكونغولي أعمق بكثير مما يتصوره البعض .
وأعادت منافسات كاس إفريقيا الحالية و بروز المناصر الشهير لمنتخب الكونغو الديمقراطية والمعروف بالمناصر “التمثال” بتواجده في مباريات منتخب بلاده وآخرها المباراة التي فاز بها رفاق عمورة امام الكونغو صورة هذا الزعيم الإفريقي للواجهة .
كما أعاد إبراز العلاقة القوية بين الجزائر وإفريقيا وزعماءها الكبار، واستحضارا واعيا لمرحلة تاريخية كانت فيها الجزائر تقود القارة نحو الكرامة والسيادة.
ويظل باتريس لومومبا (1925 – 1961) أيقونة استثنائية جسدت كبرياء القارة السمراء في وجه الطغيان.
في 30 جوان 1960 وأمام ملك بلجيكا نفسه، ألقى لومومبا خطابه التاريخي المزلزل، معلنًا نهاية عهد العبودية المذلّة” وبداية فجر السيادة، قائلًا “لا” قاطعة للإمبريالية التي حاولت نهب ثروات الكونغو وتفتيت وحدته.
لم يكن لومومبا مجرد رئيس وزراء عابر، بل كان **مشروع تحرر عالمي.
في أشهر قليلة من حكمه، حارب محاولات الانفصال المدعومة من الخارج، ورفض أن يكون وطنه دمية في يد القوى العظمى، مؤكدًا أن: “أفريقيا ستكتب تاريخها الخاص، تاريخًا من المجد والكرامة.”
هذه الروح المتمردة كانت السبب في اغتياله غدرًا في 17 جانفي 1961، في جريمة اغتيال بشعة “بتواطؤ دولي”، ظنّ منفذوها أن غياب جسده سيقتل فكرته.
لكن التاريخ أنصفه، وكما تنبأ في رسالته الأخيرة لزوجته، فإن الفكرة لا تُغتال.
واليوم، في جانفي 2026، لا يزال اسم لومومبا يتردد في ملاعب كرة القدم وشوارع القارة،كرمز للنضال الذي لا ينحني، وكشعلة تلهم كل من يؤمن بأن الشعوب هي صاحبة الحق الوحيد في تقرير مصيرها.
وتبوأ باتريس لومومبا مكانة كبيرة في الوجدان الجزائري، ليس فقط كزعيم أفريقي، بل كتوأم روحي للثورة التحريرية الجزائرية، حيث تشابك مصيره مع نضال الجزائر في لحظة تاريخية فارقة.
وبدأت العلاقة قبل استقلال الجزائر، ففي عام 1958 وخلال **مؤتمر الشعوب الأفريقية بأكرا – غانا ، التقى لومومبا بوفد جبهة التحرير الوطني الجزائرية (FLN) .
هناك، عبّر عن انبهاره العميق بالتجربة الجزائرية، واعتبرها النموذج الذي يجب أن يُحتذى به لتحرير الكونغو، مؤمنًا بأن استقلال الجزائر هو المفتاح الحقيقي لتحرر القارة بأكملها من الاستعمار الاستيطاني.
وبعد استقلالها سنة 1962، تحولت الجزائر العاصمة، تحت قيادة أحمد بن بلة ثم هواري بومدين، إلى ما وصفه الثائر “أميلكار كابرال” بـ “مكة الثوار”.
وكانت الجزائر تعتبر لومومبا شهيدها الخاص، ومن هذا المنطلقفتحت الجزائر أبوابها ومواردها وقواعدها العسكرية لرفاق لومومبا، مثل لوران كابيلا، لمواصلة الكفاح ضد النظام العميل الذي نصبه الاستعمار في كينشاسا.
وشكلت الإذاعة والتلفزيون الجزائري في الستينيات والسبعينيات منبرًا لنشر فكر لومومبا حول الوحدة الأفريقية و الرفض المطلق للإمبريالية.
وتجلت رمزية لومومبا بأبهى صورها عندما أثبتت الجزائر أنها لا تنسى “خيانة الأصدقاء” ففي 30 جوان 1967، قامت الجزائر بعملية جريئة تمثلت في احتجاز طائرة مويستشومبي، المتهم الأول بتسليم لومومبا لجلاديه.
بينما كانت الحكومة المغربية آنذاك تعترف دبلوماسيا بمويستشومبي، المدعوم من بلجيكا وقوى غربية خلال أزمة الكونغو، اختارت الجزائر موقفًا مغايرًا بدعمها الصريح لباتريس لومومبا وخطّه التحرري، في تجسيد واضح لاختلاف الرؤى السياسية و الإيديولوجية في إفريقيا ما بعد الاستعمار.
كما رفضت الجزائر كل الضغوط الدولية لتسليمه، وأبقته سجينًا لديها إلى غاية وفاته سنة 1969، في رسالة واضحة للعالم مفادها “الجزائر هي القصاص العادل لشهداء أفريقيا”.
وحتى اليوم، في جانفي 2026، لا يزال اسم لومومبا حيًا في الجزائر كرمز للتحرر.
وإذا كان باتريس لومومبا قد قُتل جسديًا في أدغال الكونغو، فإن روحه بُعثت سياسيا في شوارع الجزائر، “مكة الثوار””، التي جعلت من قضيته عقيدة دبلوماسية وأخلاقية للدفاع عن الشعوب المستضعفة، ولتؤكد مرة أخرى أن التاريخ لا ينسى من وقف في صف الكرامة.
م. شريف



