تكنولوجيا

التراث والحقوق الثقافية في العصر الرقمي

أكدت المقررة الخاصة في مجال الحقوق الثقافية، السيدة “ألكسندرا كزانثاكي”، خلال تقديم تقريرها الأخير أمام مجلس حقوق الإنسان، أن رقمنة التراث الثقافي تمثل فرصة كبيرة للحفاظ على المعرفة والموروث الثقافي، لكنها لا يمكن أن تحقق نتائج إيجابية مستدامة، إلا إذا أُحترم المعنى التاريخي والثقافي للأعمال الأصلية، وأُشركت المجتمعات المالكة لهذا التراث في جميع مراحل الرقمنة.

وأشار التقرير إلى أن الرقمنة تُستخدم على نطاق واسع لأغراض تعليمية وبحثية، كما تسهّل الاستمتاع بالتراث الثقافي عبر الوسائط الرقمية. ومع ذلك، شددت السيدة “ألكسندرا كزانثاكي”، على أن هذه الفوائد لا تتحقق إلا عند دمج عملية الرقمنة مع نهج قائم على حقوق الإنسان، يضمن مشاركة المجتمعات المحلية أو المجتمعات الوصية بشكل فعّال في اختيار وتفسير الموارد الثقافية المرقمنة، بدل أن تفرض الدولة أو الخبراء الخارجيون سردياتهم على التراث.

كما لفتت الخبيرة “ألكسندرا كزانثاكي”، إلى الدور الحاسم للأدوات الرقمية في أوقات الأزمات والكوارث الطبيعية، مثل التسونامي الذي اجتاح اليابان عام 2011 أو الزلزال الذي ضرب نيبال عام 2015، حيث يمكن للرقمنة أن تدعم عمليات الرصد والترميم بسرعة وفعالية. لكنها حذرت من أن الرقمنة العاجلة في مثل هذه الظروف غالبًا ما تتم دون مشاركة المجتمعات المتضررة، ما قد يؤدي إلى تهميشها وعدم الاعتراف بحقوقها الثقافية.

ويتمثل النهج القائم على الحقوق الثقافية وفق تقرير السيدة “ألكسندرا كزانثاكي”،  في مجموعة من المبادئ الأساسية: المشاركة الفعالة لمجتمعات المصدر أو الوصاية في اختيار وتفسير التراث المرقمن، واحترام التنوع الثقافي ومنع أي تمييز في حماية التراث الثقافي. فضلا الاعتراف بسيادة المجتمعات المحلية على بياناتها الثقافية، بما يضمن تحكمها في كيفية تخزينها واستخدامها رقميًا، إلى جانب منع استخدام الموارد الرقمية بطرق تحرض على الصور النمطية السلبية أو تنتهك التقاليد المقدسة، وضمان إمكانية وصول مجتمعات المصدر إلى التعبير عن ثقافتها والاستفادة منه.

وحذرت السيدة “ألكسندرا كزانثاكي”، من التحديات القانونية المتعلقة بتقاطع حقوق التأليف والنشر مع الحقوق الثقافية، موضحة أن التراث الثقافي في الملك العام يبقى متاحًا بحرية، بينما النسخ الرقمية له قد تخضع لحماية قانونية جديدة، ما يفرض قيودًا على الوصول إلى الموارد الرقمية والتعامل معها. كما أشارت إلى مخاطر الذكاء الاصطناعي، التي قد تعزز التحيزات الثقافية أو تساهم في تجانس غير مرغوب فيه للتراث، مؤكدة أن عمليات الرقمنة ليست محايدة بالضرورة، وأنه يجب مراقبتها بحذر لمنع أي تشويه أو تحريف للتراث.

واختتمت السيدة “ألكسندرا كزانثاكي”،  تقريرها بتقديم مجموعة من التوصيات العملية للقطاعين العام والخاص: اعتماد المبادئ التوجيهية الأخلاقية لإدارة البيانات الثقافية، على غرار تلك الخاصة بالشعوب الأصلية وتعزيز الوصول إلى الإنترنت وتحسين الدراية الرقمية بين المجتمعات الحارسة للتراث، وأيضا نقل المهارات الرقمية للمجتمعات التراثية لضمان قدرتها على إدارة أصولها الرقمية، إلى جانب مراجعة قوانين حقوق المؤلف لدعم الوصول العادل إلى التراث الرقمي، مع الحفاظ على حقوق الملكية الثقافية.

وختمت الخبيرة “ألكسندرا كزانثاكي”، بالتأكيد على أن الرقمنة لا يمكن أن تحل محل حماية التراث أو الإبداع البشري الأصلي، بل يجب أن تكون أداة لتعزيزه، مع ضمان حقوق المجتمعات المحلية المشاركة في إنتاجه وحفظه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى